June 15, 2026   Beirut  °C
سياسة

زكريا الغول: إيران تعتبر لبنان ورقة ضغط أساسية في التفاوض

بعد تحييد الضاحية الجنوبية من بنك الأهداف الإسرائيلية ليل الإثنين، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، وما رافق ذلك من جهود بذلها الرئيس نبيه بري لمنع استهداف الضاحية، جاء التصعيد الميداني من خلال تكثيف الحزب إطلاق المسيّرات والصواريخ نحو شمال إسرائيل وعمقها.

فهل يعكس ذلك إصرارا إيرانيا على احتكار أي إنجاز مرتبط بوقف إطلاق النار ومنع تسجيله لمصلحة الدولة اللبنانية؟ وهل تسعى طهران إلى إدراج هذا الملف ضمن سلة التفاهمات الأميركية - الإيرانية المقبلة لضمان نسب أي تسوية إليها؟ وإلى أي حد يمكن قراءة اتصال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بالرئيس بري، وتأكيده ضرورة شمول أي اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، في هذا الإطار؟

في هذا السياق، أكد الباحث في الشؤون الجيوستراتيجية زكريا الغول، أن ما يشهده لبنان اليوم من ضربات وغارات إسرائيلية متواصلة يثبت أن البلاد ليست أمام مرحلة تهدئة أو وقف فعلي للتصعيد، بل أمام واقع ميداني تفرض فيه إسرائيل معادلاتها بالقوة العسكرية.


وأوضح عبر منصة "بالعربي"، أن إسرائيل نجحت في فرض معادلة جديدة تقوم على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل أي استهداف لمستوطناتها الشمالية، مشيرا إلى أن هذه المعادلة لم تأت نتيجة تفاهمات أو توازنات قائمة، وإنما فرضتها إسرائيل من خلال تفوقها العسكري واستمرار عملياتها الجوية.


ولفت إلى أن التحركات السياسية التي شهدها لبنان خلال الأيام الماضية، والمساعي التي قام بها المسؤولون اللبنانيون، هدفت إلى منع وصول الضربات الإسرائيلية إلى مستويات أكثر خطورة، إلا أن الوقائع الميدانية أظهرت استمرار الغارات على الجنوب اللبناني، إلى جانب مواصلة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية تحليقها فوق الأراضي اللبنانية، الأمر الذي يؤكد استمرار حالة التصعيد.


وفي سياق متصل، رأى الغول أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى الوصول إلى تسوية معينة، في وقت توجد فيه أطراف تستفيد من استمرار الحرب، وفي مقدمتها إيران وإسرائيل. وأوضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لديه مصلحة مباشرة في استمرار المواجهة، سواء لأسباب سياسية داخلية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أو بسبب اعتقاده أن الأهداف التي وضعتها إسرائيل تجاه حزب الله لم تتحقق بالكامل بعد.


وأضاف أن نتنياهو لا يزال يعتبر أن الحزب ما زال يحتفظ بقدراته وحضوره، الأمر الذي يدفعه إلى الرغبة في مواصلة العمليات العسكرية لتحقيق أهداف إضافية، فضلا عن سعيه إلى التأثير في مسار المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران.


وأشار الغول إلى أن إيران بدورها تتمسك باستمرار نفوذها الإقليمي الذي بنته على مدى 4 عقود من خلال حلفائها وأذرعها في المنطقة، وفي مقدمتها حزب الله. وأكد أن طهران تنظر إلى الساحة اللبنانية باعتبارها ورقة ضغط أساسية في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتسعى إلى الحفاظ على هذه الورقة وعدم التفريط بها.


ورأى أن هناك رغبة إيرانية واضحة في ربط الجبهة اللبنانية بالملف الإيراني، بهدف تعزيز أوراق القوة التفاوضية. وفي المقابل، تحاول إسرائيل الاستفادة من استمرار الحرب من أجل عرقلة أو التأثير في مسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني بما يخدم أهدافها السياسية والأمنية.


وفي ما يتعلق بالدور اللبناني الرسمي، اعتبر الغول أن الدولة اللبنانية تمثل الطرف الأضعف في هذه المعادلة المعقدة، رغم الجهود التي يبذلها كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب من مواقعهم المختلفة.


وأوضح أن هناك تباينات في المقاربات بين الرئيسين عون وسلام من جهة والرئيس بري من جهة أخرى، ولا سيما في ما يتعلق بمسألة المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، إلا أن الهدف المشترك يتمثل في محاولة فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني وتأمين مخرج يضمن استقرار لبنان.


وأكد أن الدولة اللبنانية تسعى إلى الحصول على دعم ورضى أميركيين يساعدان في الوصول إلى تسوية معينة على الساحة اللبنانية، في ظل الضغوط التي تمارسها واشنطن لدفع الأطراف نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.


وعن الاتصال الذي أجراه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف برئيس مجلس النواب نبيه بري، قال الغول إن هذا التواصل لا يعد الأول من نوعه، إذ إن الاتصالات بين الجانبين تتكرر عند المحطات السياسية المفصلية، غير أن توقيت الاتصال الحالي يكتسب أهمية خاصة نظرا إلى التطورات الأخيرة.


وأشار إلى أن إيران تسعى إلى تثبيت حضورها السياسي في أي إنجاز أو تطور مرتبط بملف وقف إطلاق النار أو التهدئة، كما تحاول التأكيد أن الضغوط والتهديدات التي مارستها تجاه إسرائيل كان لها دور أساسي في منع استهداف الضاحية، وليس فقط الضغوط الأميركية.


وأضاف أن بعض المواقف الإيرانية ذهبت إلى حد اعتبار أن التهديد بإمكانية استهداف شمال إسرائيل أسهم في ردع تل أبيب وإجبارها على إعادة حساباتها، وهو ما يعكس رغبة إيرانية في تكريس صورة مفادها أن طهران لا تزال لاعبا رئيسيا في معادلات المنطقة.


وختم الغول بالتأكيد أن إيران تحاول، بصيغ مختلفة تتناسب مع الظروف الحالية، الحفاظ على ترابط المسارات الإقليمية وعدم فصل الملفات عن بعضها البعض، بما يضمن استمرار نفوذها وتأثيرها في التطورات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.


وفي ظل كل ما يجري، تتعزز المؤشرات إلى أن طهران ما زالت ترفض التخلي عن الورقة اللبنانية، باعتبارها إحدى أهم أدوات نفوذها في المنطقة. فكلما اقترب لبنان من فرصة للخروج من دائرة الحرب، عاد ربط مصيره بمسارات تفاوضية وصراعات إقليمية لا يملك قرارها. وبين دولة تحاول انتزاع حقها في الاستقرار، ونظام إيراني يصر على توظيف الساحة اللبنانية في حساباته الكبرى، يبقى اللبنانيون هم من يدفعون الثمن، من أمنهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم، فيما يتحول وطنهم مرة جديدة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.