ليست المرة الأولى التي يقدم فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري ضمانات أو مواقف مرتبطة بوقف إطلاق النار والتزام كامل وفوري من قبل حزب الله، إذ سبق أن قدم ضمانات مماثلة ولكن من دون التزام فعلي من حزب الله بها.
وفي موقفه الأخير، عاد بري ليؤكد أنه يضمن التزاما كاملا وفوريا من قبل حزب الله بوقف إطلاق النار، في مقابل طرحه تساؤلا حول الجهة القادرة على إلزام إسرائيل بوقف عدوانها برا وبحرا وجوا، ما أعاد فتح النقاش حول الدور الذي يمكن أن يلعبه في إدارة هذا الملف ومدى قدرته على تأمين التزامات فعلية من قبل حزب الله.
في هذا الإطار، أوضح الكاتب السياسي والصحافي مروان الأمين أن مقاربة ملف الحرب الجارية تختلف جذريا عن المراحل السابقة، مشيرا إلى أن الرئيس نبيه بري كان قد أبلغ عددا من المسؤولين اللبنانيين، قبل اندلاع حرب الإسناد لإيران، أنه حصل على ضمانة من حزب الله بعدم فتح جبهة لبنان في حال حصول أي عمل عسكري ضد إيران، إلا أن التطورات اللاحقة، وفق تعبيره، أظهرت أن القرار النهائي يبقى خارج هذا الإطار.
ورأى عبر منصة "بالعربي"، أن قرار حزب الله يرتبط بشكل أساسي بالمصلحة الإيرانية، معتبرا أن طهران هي الجهة الوحيدة القادرة على توجيه مسار قراراته، في حين لا يملك أي طرف لبناني، بما في ذلك الرئيس بري، سوى هامش محدود للتأثير، قد يتسع أو يضيق بحسب الظروف الإقليمية.
واعتبر الأمين أن موقف بري ربما ناجم عن جو إيراني يرى بأن حزب الله بحاجة إلى وقف إطلاق النار نتيجة الخسارة الكبيرة التي يتلقاها في الميدان، خاصة بعد التهديدات الإسرائيلية الأخيرة للضاحية، والتي نتج عنها تراجع حزب الله عن شرط وقف إطلاق نار شامل مقابل توقفه عن استهداف شمال إسرائيل.
وأشار إلى أن المشهد الإسرائيلي بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر تغير بشكل جذري، إذ انتقل من سياسة "احتواء المخاطر" إلى "إلغاء المخاطر"، ما انعكس، بحسب تعبيره، إجماعا سياسيا وشبه شعبي داخل إسرائيل على الاستمرار في العمليات العسكرية ضد حزب الله وحماس وإيران، بهدف تفكيك ما تعتبره تهديدا استراتيجيا لأمنها.
واعتبر الأمين أن هذا التحول يجعل وقف العمليات العسكرية أمرا غير مرجح ما دام حزب الله متمسكا بقدراته العسكرية، مرجحا أن تستمر الحرب بأشكال مختلفة حتى الوصول إلى تسوية أو تغيير جوهري في ميزان القوى، مع احتمال فترات تهدئة مؤقتة لا ترقى إلى إنهاء الصراع.
وأضاف أن الدولة اللبنانية تجد نفسها في موقع ضعيف ضمن هذا المشهد، نتيجة عدم قدرتها على فرض قرارها على الأرض، في ظل استمرار تفوق حزب الله عسكريا وامتلاكه قرار الحرب والسلم، بحسب وصفه.
كما اعتبر الأمين أن استمرار تمسك حزب الله بسلاحه ينعكس مزيدا من التصعيد الإسرائيلي واتساع نطاق الاستهدافات في الجنوب، وما يرافق ذلك من خسائر بشرية ونزوح ومعاناة إنسانية متزايدة، مشيرا إلى أن هذا الواقع يضع لبنان أمام خيارات صعبة بين استمرار المواجهة أو الذهاب نحو تسوية ترتبط بشكل أساسي بملف سلاح الحزب ومستقبل دوره في الداخل اللبناني.
وختم بأن مقاربة حزب الله، وفق ما يراها، تقوم على اعتبار أن الحفاظ على النفوذ داخل لبنان هو الأولوية الأساسية، وأن التهديد الأبرز بالنسبة له لا يقتصر على إسرائيل، بل يتمثل أيضا بالشرعية اللبنانية نفسها في حال استعادة قرارها السيادي الكامل. واعتبر أن هذا التصور يرتبط أيضا بالمقاربة الإيرانية لدور الحزب في الداخل اللبناني، حيث يبقى الحفاظ على هامش النفوذ هو العامل الحاسم في تحديد السلوك السياسي والعسكري.
في المحصلة، يبدو أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يمتلك هامشا محدودا في التأثير على قرار حزب الله، في ظل مقاربة تعتبر أن القرار النهائي يرتبط بالدرجة الأولى بالدور الإيراني، حيث تبقى طهران هي المحرك الأساسي لتحديد مسار الحزب وتوجيه تحركاته السياسية والعسكرية. فيما يتحرك الجانب الإسرائيلي ضمن سقف عسكري واسع يرتبط باعتبارات حماية الجبهة الشمالية وتأمين المستوطنات، باستثناء تأثير أمريكي يبرز أحيانا في اتجاه تهدئة مؤقتة أو ضبط نسبي للتصعيد.