بينما تتصاعد المواجهات في الجنوب، يزداد المشهد الميداني تعقيدا تحت وطأة حرب استنزاف بدأت تترك آثارها على البنية البشرية لحزب الله، مع خسائر طالت عناصر من الأكثر خبرة داخل الميدان. وفي هذا السياق، برزت مؤشرات على الدفع بشبان دون سن الثامنة عشرة نحو بعض المهام الخلفية واللوجستية، في محاولة لسد الفراغات التي فرضها ضغط العمليات المتصاعد.
هذا التطور لا يقرأ كتفصيل عابر، بل كدلالة على حجم الإرهاق البشري الذي يفرضه استمرار القتال، وما يرافقه من إعادة ترتيب للأدوار داخل الميدان تحت وطأة الضرورة. وبين حسابات المعركة والأسئلة القانونية والإنسانية، يبقى هذا الملف مفتوحا على نقاش حساس، في ظل قواعد دولية واضحة تحظر إشراك القاصرين في النزاعات المسلحة.
وفي هذا السياق، صرح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد سعيد القزح أن القراءة العسكرية لإشراك شبان دون سن الثامنة عشرة في أي فصيل مسلح غير شرعي ضمن حروب العصابات أو الحروب غير المتناظرة يمكن تفسيرها بعدة نقاط.
وأوضح أن النقطة الأولى تتمثل في استنزاف الكادر القيادي والوسيط، مشيرا إلى خسارة أعداد كبيرة من مقاتلي النخبة، مثل عناصر قوة الرضوان، إضافة إلى الخسائر التي شهدتها صفوف حزب الله منذ إعلان حرب إسناد غزة وحتى اليوم، والتي طالت كوادر ميدانية مجربة ومدربة كان يعتمد عليها بشكل أساسي، ولا سيما في قوة الرضوان التي شكلت القوة الهجومية التي كان يعول عليها في عمليات التوغل داخل الأراضي الإسرائيلية.
وأضاف أن هذه الخسائر تعيد إلى الأذهان المناورة التي أجراها حزب الله في أيار/مايو 2023 تحت عنوان «سنعبر»، والتي حاكت سيناريو الدخول إلى الجليل. ولفت إلى أن الخسائر التي مني بها الحزب لا تعني فقدان أعداد من المقاتلين فحسب، بل تعني أيضا خسارة الخبرات والقدرات المرتبطة بالقيادة والسيطرة، أي العناصر الميدانية التي تمتلك خبرة قتالية وقدرة على إدارة العمليات.
وقال القزح لمنصة "بالعربي" إن تعويض هذه الكوادر بشبان يفتقرون إلى الخبرة الميدانية ينعكس تلقائيا على الكفاءة التكتيكية في أرض المعركة، ويؤثر على مستوى الأداء العملياتي.
أما النقطة الثانية، فتتعلق بتغير الأدوار والمهام. وأوضح أن الشبان دون الثامنة عشرة لا يزج بهم عادة في الصفوف الأمامية الهجومية بصورة مباشرة، بل يكلفون غالبا بمهام عسكرية مساندة، مثل الدعم اللوجستي، وتعبئة الذخائر، وتأمين التغذية، وحراسة النقاط الخلفية والمخازن.
وأضاف أنه في حال حصول تداخل بين الخطوط الأمامية والخلفية نتيجة هجوم أو وصول قوات مهاجمة إلى تلك المواقع اللوجستية، فقد يجد هؤلاء الشبان أنفسهم مضطرين للمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية، رغم أن طبيعة المهام الموكلة إليهم في الأصل لا تكون قتالية أو هجومية.
وتابع أنه، بمنطق الحروب وإدارة المعارك، فإن هذه الخطوة التي قام بها حزب الله لم تعد أمرا مستترا أو غير معلن، بل أصبحت واضحة للعلن. وقال إن الجميع شاهد مقاطع فيديو لمقاتلين وشبان دون سن الثامنة عشرة يعلنون بأنفسهم رغبتهم في المشاركة في القتال، ويتحدثون عن الاستشهاد وتنفيذ العمليات العسكرية وغيرها من الأمور المرتبطة بالعمل القتالي.
وأضاف أن هذه المشاهد تكررت بشكل ملحوظ، كما ظهرت أيضا بيانات نعي لشبان صغار في السن كانوا يرتدون الزي العسكري ويحملون السلاح، معتبرا أن ذلك يعكس وجود عملية إعداد تبدأ منذ مراحل عمرية مبكرة.
ورأى القزح أن التربية التي يعتمدها حزب الله تقوم على تنشئة مقاتلين ومحاربين، وليس على تنشئة جيل عادي كما تفعل معظم العائلات. وأشار إلى أن هذه العملية تبدأ منذ الطفولة، من خلال منظومة تربوية وتعليمية تهدف، بحسب تعبيره، إلى إعداد الطفل ليكون مقاتلا في المستقبل، وإعداد الفتاة لتكون "أم شهيد".
ولفت إلى أن عددا من الخبراء التربويين تناولوا هذه المسألة في محاضرات ودراسات متخصصة، معتبرين أن هذه المقاربة التربوية تبدأ من المدارس وتستند إلى عملية تنشئة فكرية وأيديولوجية تتواصل منذ السنوات الأولى من عمر الطفل.
وقال القزح إن هذا الأمر يدل أيضا، من وجهة نظره، على وجود أزمة بشرية حادة وتراجع في حجم الخزان البشري الجاهز للانخراط في القتال، مشيرا إلى أن حزب الله كان يعتمد على بيئة حاضنة واسعة من حيث العدد والقدرة على تزويد صفوفه بالمقاتلين.
وأضاف أن استمرار الحرب منذ عام 2023، إلى جانب الخسائر اليومية التي تكبدها الحزب، أسهما في استنزاف هذا الخزان البشري. كما لفت إلى الخسائر التي تعرض لها الحزب خلال مشاركته في الحرب السورية، والتي تركت بدورها تأثيرا على كوادره البشرية والعسكرية.
وتابع أن الاستهدافات خلال المواجهات الحالية طالت، بحسب المعطيات المتداولة، قيادات من الصفوف الأول والثاني والثالث وحتى الرابع، بما في ذلك مسؤولون وقيادات ميدانية على مستويات محلية. واعتبر أن هذه الخسائر دفعت القيادة العسكرية في حزب الله إلى خفض سن المجندين والمقاتلين بهدف سد الفراغ الناتج عن فقدان الكوادر، وتأمين عناصر جديدة يمكن الاعتماد عليها في المهام العسكرية المختلفة.
كما لفت القزح إلى أن إشراك عناصر صغار في السن وغير ناضجين ميدانيا قد يؤدي إلى أخطاء عملياتية خطيرة، ويشكل خطرا على المقاتلين أنفسهم وعلى زملائهم في الميدان.
وأوضح أن العنصر الذي يفتقر إلى الخبرة والتدريب الكافيين يكون أكثر عرضة للتأثر بالخوف والضغط النفسي خلال المعارك أو عند مواجهة الأخطار المباشرة، ما قد يدفعه إلى اتخاذ قرارات غير مدروسة أو القيام بردود فعل متسرعة، الأمر الذي قد يتسبب بخسائر إضافية في صفوف المجموعة التي يعمل ضمنها.
وفي المقابل، أشار القزح إلى أن حزب الله ينظر إلى هذه المسألة من زاوية مختلفة ترتبط ببنيته العقائدية والتعبوية. وقال إن الحزب يعتمد منذ سنوات على منظومة تعبئة فكرية وتربوية تبدأ منذ الطفولة، من خلال مؤسسات وأنشطة مختلفة، من بينها كشافة المهدي والتعبئة التربوية.
وأضاف أن إشراك هذه الفئات العمرية لا ينظر إليه داخل الحزب باعتباره مؤشرا على اليأس أو على نقص في عدد العناصر المتوافرة، بل يقدم في إطار ما يعرف بمفهوم «المجتمع المقاوم» والتعبئة العامة.
ولفت إلى أن الحزب يعتبر المجتمع الذي يمثله مجتمعا مقاوما يجب أن يبقى في حالة جهوزية وتعبئة مستمرة، انطلاقا من قناعة مفادها أن كل فرد يمكن أن يتحول إلى مقاتل عند الشعور بوجود خطر وجودي يهدد الجماعة أو البيئة التي ينتمي إليها.
وأضاف القزح أنه، من منظور آخر، وفي ظل الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات بين إسرائيل وحزب الله، حيث تواجه إسرائيل، بوصفها جيشا نظاميا تقليديا، مجموعات مسلحة غير نظامية تعتمد أساليب حرب العصابات والحرب غير المتناظرة، فإن إشراك عناصر دون سن الثامنة عشرة لا يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على نسب خسائر منخفضة بقدر ما يهدف إلى ضمان استمرارية القتال وإدامة حالة الاستنزاف.
وأوضح أن هذا النهج يقوم على استنزاف الخصم حتى من خلال عناصر بشرية صغيرة السن ومحدودة الخبرة، بهدف إيصال رسالة إلى إسرائيل مفادها أن المخزون البشري لن ينفد، وأن هناك أجيالا جاهزة لإدامة الصراع ومنع تحقيق حسم سريع.
وقال إن هذه الخطوة تشكل، باختصار، مؤشرا على الضغط البشري واللوجستي الناتج عن الضربات التي تلقاها حزب الله، ولا سيما في صفوف قوات النخبة التابعة له، وفي مقدمتها قوة الرضوان، التي تعد من أبرز القوات الهجومية والخاصة، إضافة إلى الوحدات الميدانية عزيز وبدر ونصر وحيدر التي كانت تنتشر في الجنوب.
واعتبر أن ذلك يعكس حجم الخسائر البشرية واللوجستية التي تكبّدها الحزب، كما يترجم عقيدة حرب الاستنزاف التي تقوم على أن المعركة لا تنتهي بخسارة الجيل الأول من المقاتلين، بل تستمر من خلال إدامة القتال وإطالة أمد المواجهة عبر أجيال متعاقبة.
وأضاف أن هذا النموذج يمكن ملاحظته أيضاً في إيران، حيث يتمثل في استهداف ما وصفه بالقيادات من الصفين الأول والثاني، فيما تتولى قيادات من مستوى ثالث إدارة العمليات ومحاولة مواصلة المعارك.
ورأى أن هذا النموذج ينعكس أيضاً على لبنان، معتبراً أنه تم استهداف الصفوف القيادية الأولى والثانية والثالثة داخل حزب الله، وأن من يتولى القيادة حالياً هم، بحسب وصفه، ما سماه بالصف الرابع.
واعتبر أن هذا الواقع يتم بإدارة مباشرة من الحرس الثوري الإيراني، مشيراً إلى أن هذا الأمر لم يعد سراً، بل أصبح متداولاً في الأوساط السياسية والإعلامية.
واستشهد في هذا السياق بما أُعلن عن مقتل عدد من الإيرانيين في لبنان في مواقع مختلفة مثل فندق رامادا وفي الحازمية وغيرها، والذين جرى نعيهم لاحقاً برتب وصفات عسكرية بعد أن كانوا يُعرّفون بصفات دبلوماسية.
ولفت القزح إلى أن القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها، إضافة إلى اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، ينص على حظر قاطع لإشراك الأطفال دون سن الثامنة عشرة في الأعمال العدائية، ويعتبر ذلك من المخالفات الجسيمة.
وأوضح أن هذه النصوص القانونية تعتبر كل من هو دون سن الثامنة عشرة طفلاً، وتدرج تجنيده أو إشراكه في القتال ضمن الأفعال المحظورة، التي قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
وأضاف أن هذا الإطار القانوني يفرض التزامات واضحة على مختلف الأطراف بعدم استخدام أو تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة تحت أي ذريعة، مع تشديد العقوبات الدولية المتعلقة بهذا النوع من الانتهاكات.
وفي المحصلة، يبقى إشراك القاصرين في النزاعات المسلحة تجاوزا خطيرا للمعايير التي يرسّخها القانون الدولي الإنساني، ولا يجد له أي مبرر في ظل وضوح النصوص والاتفاقيات الدولية التي تحظر هذه الممارسات بشكل صريح.
وبين قسوة الميدان وصرامة المواثيق القانونية، تتكشف كلفة إنسانية ثقيلة تطال الطفولة، وتنعكس على مستقبل أجيال كاملة، حيث يُدفع باليافعين من مقاعد الدراسة إلى الصفوف الأمامية في ساحات المواجهة.