June 04, 2026   Beirut  °C
سياسة

الياس الزغبي: زيارة لودريان شكلية.. والأزمة اللبنانية تُحسم في الولايات المتحدة

وصل المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت في زيارة تطرح جملة من التساؤلات حول توقيتها ودلالاتها السياسية، وما إذا كان يحمل في جعبته رسائل أو مبادرات جديدة إلى المسؤولين اللبنانيين في ظل تعقيدات المرحلة الراهنة.

كما تثير الزيارة علامات استفهام بشأن الدور الذي تحاول فرنسا تأديته في لبنان، وحدود قدرتها على التأثير في مسار الأحداث وسط التحولات الإقليمية المتسارعة. كذلك، يبرز التساؤل حول مدى وجود تنسيق بين باريس وواشنطن حيال هذه الزيارة والملف اللبناني عموما، في وقت تتكثف فيه الجهود الدولية الرامية إلى احتواء الأزمات الأمنية والسياسية التي تواجه لبنان والمنطقة.

في قراءة للدور الفرنسي في لبنان، لا سيما زيارة لودريان، رأى الكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي أن زيارة الموفد الفرنسي تأتي في سياق الاتصالات الأوروبية والعربية والأميركية الواسعة بشأن الأوضاع في الشرق الأوسط عموما، والأزمة اللبنانية خصوصا. وقال إن التأثير الفرنسي في مسار الأحداث والتطورات تراجع بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضا في شمال أفريقيا، ما يعكس تراجعا في قدرة الدبلوماسية الفرنسية على معالجة الملفات الساخنة في المنطقة.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الدور الفرنسي بات أقرب إلى الدور المساند أو الملحق بالسياسة الأميركية، باعتبار أن الولايات المتحدة تبقى صاحبة القرار الأساسي في معالجة أزمات الشرق الأوسط، لا سيما ما يتعلق بالأزمة الإيرانية من جهة، والأزمة اللبنانية - الإسرائيلية من جهة أخرى. وانطلاقا من ذلك، رأى أن زيارة لودريان لا تتجاوز في جوهرها الإطار البروتوكولي والداعم من بعيد، أكثر مما تشكل محاولة فعلية للتأثير في مجرى الأحداث.


ولفت الزغبي إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعتمد في مواقفه السياسية خطابا يتسم بالتهدئة والتوازن، إذ يتجنب اتخاذ مواقف حادة سواء في دعم إسرائيل أو في تأييد إيران وحزب الله، مفضلا التموضع في منطقة وسطية بين الأطراف المتنازعة، معتبرا أن هذا النهج، وإن كان يهدف إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الجهات، إلا أنه لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج مؤثرة أو منتجة في مسارات الحلول السياسية والدبلوماسية.


وقال إن التحرك الفرنسي يستند إلى تنسيق مستمر مع عدد من الدول العربية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، من أجل المحافظة على المبادرات والأفكار المطروحة لمعالجة الأزمة اللبنانية. وأشار إلى وجود تقاطع بين باريس والقاهرة حول بعض الرؤى السياسية المتعلقة بإيجاد مخرج للمأزق اللبناني، إلا أن هذه الطروحات، بحسب رأيه، تفتقر إلى القدرة على التحول إلى خطوات عملية على الأرض.


وأوضح الزغبي أن السبب الرئيسي يعود إلى أن الصراع الفعلي يدور بين إسرائيل وحزب الله، المدعوم من إيران، في حين أن التأثير الفرنسي والمصري على طرفي النزاع يبقى محدودا، مؤكدا أن التأثير الحاسم لا يزال بيد الولايات المتحدة الأميركية، فيما تؤدي بقية الأطراف، ومن بينها فرنسا ومصر، أدوارا مكملة أو مساندة للمسار الأميركي، من دون امتلاك القدرة على ابتكار مسار سياسي أو دبلوماسي مستقل.


واعتبر أن زيارة لودريان تندرج في إطار المتابعة وتسجيل الحضور الفرنسي في الملف اللبناني، أكثر مما تندرج في إطار إحداث تغيير فعلي في مسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي تجري متابعتها بصورة أساسية من قبل الولايات المتحدة. وقال إن القرار النهائي في معظم ملفات المنطقة، خصوصا في الملف اللبناني، يبقى في واشنطن، فيما تتولى باريس والقاهرة أدوارا داعمة لهذا التوجه.


وفي المقابل، رأى الزغبي أن الدور السعودي يتسم بقدر أكبر من الواقعية، لأنه يستند إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية الشرعية وإلى موقف شريحة واسعة من المكونات اللبنانية الداعية إلى حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية، وحصر السلاح في إطار الشرعية، فضلا عن استعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية وتأمين انسحاب إسرائيل من المناطق التي لا تزال تحتلها، واستعادة الحقوق اللبنانية العالقة، مؤكدا أن العقبة الأساسية التي تواجه مختلف الجهود الدبلوماسية الفرنسية والمصرية والسعودية وحتى الأميركية تتمثل في مسألة سلاح حزب الله. واعتبر أن معالجة هذه القضية تشكل شرطا أساسيا وأوليا لأي حل شامل، لأن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يوفر لإسرائيل الذريعة التي تستند إليها لتبرير استمرار احتلالها لبعض الأراضي اللبنانية ورفضها تقديم تنازلات جوهرية.


وشدد على أن أي تصور واقعي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستكمال استعادة السيادة اللبنانية يقتضي وضع جدول زمني واضح وعملي لمعالجة ملف سلاح حزب الله، بما يؤدي إلى إزالة أسباب التوتر الدائم ورفع المخاطر الأمنية التي تتذرع بها إسرائيل.


وعن طبيعة التنسيق الفرنسي - الأميركي، أوضح الزغبي أن باريس تقوم بمشاورات مستمرة مع عدد من العواصم المؤثرة، وفي مقدمها واشنطن والرياض والقاهرة، إلا أن هذه المشاورات لا ترقى إلى مستوى التأثير المباشر في مسار الأحداث أو في القرارات الأساسية المرتبطة بالملف اللبناني، مؤكدا أن زيارة لودريان يمكن وصفها بأنها زيارة ذات طابع شكلي أكثر منه فعليا، وأنها تندرج ضمن إطار المتابعة السياسية والحضور الدبلوماسي، من دون أن تكون قادرة على حسم الملفات العالقة أو إحداث تحول جوهري في مسار الأزمة اللبنانية.


وعليه، فإن فرنسا التي شكلت تاريخيا أحد أبرز اللاعبين الخارجيين في لبنان، شهد نفوذها وقدرتها على التأثير تراجعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية التي باتت تمسك إلى حد كبير بمفاتيح الملفات الأساسية المرتبطة بمستقبل لبنان وتطورات المنطقة.