في مقابلة مطولة ضمن برنامج "حوار الليلة" عبر منصة "بالعربي" مع الإعلامي ربيع ياسين، قدّم العميد المتقاعد في الجيش اللبناني شامل روكز قراءة سياسية وعسكرية للتطورات الميدانية الأخيرة في الجنوب اللبناني، ولا سيما سقوط قلعة الشقيف وعودة القوات الإسرائيلية إلى مواقع استراتيجية، محذرًا من مرحلة أكثر خطورة قد تمتد تداعياتها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وربما إلى العاصمة نفسها، في ظل التصعيد العسكري المستمر والتعثر في المسارات التفاوضية.
واعتبر روكز أن التهديدات الإسرائيلية الأخيرة، ولا سيما تلك التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه الضاحية الجنوبية، تعكس دخول المنطقة في جولة جديدة من العنف مرتبطة بشكل مباشر بمسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. وأوضح أن ملف وقف إطلاق النار في لبنان بات جزءًا من التفاوض الإقليمي الأوسع، وأن إسرائيل تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب العسكرية والميدانية قبل العودة إلى طاولة التفاوض، مستفيدة من الغطاء الأميركي والدعم السياسي والعسكري الذي تحصل عليه.
وأشار إلى أن سقوط قلعة الشقيف لم يكن حدثًا عسكريًا مفاجئًا بالنسبة له، إذ سبق أن حذر من احتمال سقوطها بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يمنح من يسيطر عليها قدرة إشراف واسعة على مناطق النبطية ومرجعيون وطرق العيشية وجبل الريحان وسجد ووادي الحجير ووادي السلوقي وغيرها من المحاور الحيوية. ورأى أن السيطرة الإسرائيلية على هذا الموقع تمنحها قدرة أكبر على التحكم بالمشهد الميداني في الجنوب وتوسيع هامش حركتها العسكرية.
وأكد روكز أن ما جرى في الشقيف يشكل تحولًا ميدانيًا كبيرًا، معتبرًا أن إسرائيل باتت تمتلك قدرة أكبر على فرض وقائع جديدة في الجنوب، خصوصًا بعد الإنذارات التي وجهتها لسكان مناطق واسعة جنوب الزهراني. ولفت إلى أن السيطرة على القلعة تعني عمليًا الإمساك بمفاصل جغرافية أساسية تسمح بمراقبة الطرق وخطوط الإمداد والحركة في مساحة واسعة من الجنوب اللبناني.
وفي معرض حديثه عن السيناريوهات المحتملة، رأى أن إسرائيل قد تواصل توسيع نطاق عملياتها العسكرية شمالًا، مشيرًا إلى أن المسار الذي تسلكه حاليًا يوحي بمحاولة فرض واقع ميداني جديد يمتد من المناطق الحدودية وصولًا إلى نقاط استراتيجية داخل العمق اللبناني. لكنه استبعد في الوقت نفسه سيناريو اجتياح شامل لبيروت على غرار عام 1982، معتبرًا أن مثل هذا الخيار يبقى مرتبطًا بحسابات أميركية وإقليمية معقدة.
وعبر روكز عن أسفه الشديد لمشهد رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف، مؤكدًا أن رؤية أي علم غير العلم اللبناني على أرض لبنانية تمثل حالة مؤلمة لكل ضابط وجندي سابق في الجيش اللبناني. وقال إن الأمر يتجاوز الحسابات السياسية والعسكرية ليصل إلى مستوى الشعور الوطني المرتبط بالسيادة والكرامة الوطنية.
وفي الشق السياسي، حمل روكز القوى السياسية اللبنانية وحزب الله جزءًا كبيرًا من المسؤولية عما وصلت إليه البلاد، معتبرًا أن الانقسام الداخلي الحاد وغياب الموقف الوطني الموحد أضعفا قدرة لبنان على التفاوض ومواجهة الضغوط الخارجية. وشدد على أن نجاح أي مفاوضات مع إسرائيل يحتاج إلى وحدة وطنية وتضامن داخلي خلف الدولة ومؤسساتها، لا إلى تعدد المرجعيات والقرارات.
ورأى أن رئيس الجمهورية يقف أمام لحظة مفصلية تتطلب تثبيت الخيارات الوطنية التي أعلنها، داعيًا إلى تحميل الجهات التي تعرقل مسار الدولة مسؤولياتها السياسية والوطنية. كما اعتبر أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يمتلك دورًا محوريًا في هذه المرحلة، نظرًا لموقعه وتأثيره داخل البيئة الشيعية، معتبرًا أن الرهانات الداخلية والخارجية تتجه نحو قدرته على لعب دور أساسي في احتواء التصعيد والدفع نحو تسوية تحمي لبنان من المزيد من الانهيار.
وفي معرض تقييمه لدور حزب الله، أكد روكز أنه كان يؤيد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي عندما كانت الأراضي اللبنانية محتلة، لكنه رفض ما وصفه بسياسة "الإسناد" التي أدخلت لبنان في صراعات إقليمية لا قدرة له على تحمل نتائجها. وقال إنه يؤمن بضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، معتبرًا أن مصلحة اللبنانيين تكمن في حماية الدولة والاقتصاد والاستقرار الداخلي بدل الانخراط في حروب تتجاوز قدرات البلاد وإمكاناتها.
وعن دور الجيش اللبناني، رفض تحميل المؤسسة العسكرية مسؤولية الأنفاق والبنى التحتية العسكرية التي أنشأها حزب الله خلال السنوات الماضية، مشددًا على أن الحكومات المتعاقبة والبيانات الوزارية التي شرعت وجود المقاومة المسلحة هي التي وضعت الجيش في موقع المتفرج وغير المخول بالتدخل. وأوضح أن الجيش ينفذ قرارات السلطة السياسية ولا يعمل خارج الأطر القانونية التي تحددها الحكومات ومجلس الوزراء.
وأكد روكز أن أي قرار رسمي بسحب السلاح غير الشرعي يجب أن ينفذه الجيش اللبناني، لكنه شدد في المقابل على ضرورة اعتماد مقاربة تدريجية ومدروسة تشبه بعض التجارب العربية، بما يضمن استيعاب السلاح ضمن مؤسسات الدولة من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو حرب أهلية. واعتبر أن المرحلة النهائية يجب أن تؤدي إلى احتكار الدولة للسلاح على كامل الأراضي اللبنانية، لكن الوصول إلى هذه النتيجة يحتاج إلى مراحل وخطوات متدرجة.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات المرتقبة، رأى أن استمرار التباعد بين المطالب اللبنانية والإسرائيلية قد يؤدي إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبرًا أن المبادرة المصرية ـ السعودية تشكل المسار الأكثر واقعية للوصول إلى حل تدريجي يسمح للجيش اللبناني بتوسيع انتشاره واستعادة دوره الكامل في الجنوب.
أما في ملف العفو العام، فأعلن روكز رفضه الصريح لأي قانون عفو شامل، سواء في الجرائم المدنية أو العسكرية، معتبرًا أن العفو يضرب حقوق الضحايا وعائلاتهم ويؤثر سلبًا على هيبة الدولة ومؤسساتها. وشدد بصورة خاصة على رفض أي عفو يشمل المدانين بقتل عناصر الجيش اللبناني، معتبرًا أن ذلك يشكل ضربة مباشرة لمعنويات المؤسسة العسكرية ولدماء الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الدولة.
وتطرق روكز إلى معركة عبرا، مؤكداً أنه لا يزال مقتنعًا بالقرارات التي اتخذت خلال تلك المواجهة، وأنه لو عاد الزمن إلى الوراء لاتخذ الخيارات نفسها، انطلاقًا من واجبه العسكري في تنفيذ الأوامر وحماية المؤسسة العسكرية. كما شدد على أن دماء العسكريين الذين سقطوا في عبرا ونهر البارد وعرسال يجب أن تبقى خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه في أي تسوية أو قانون عفو.
وختم بالتأكيد أن لبنان يقف أمام فرصة أخيرة للاستفادة من الدعم الدولي والعربي المتاح للدولة اللبنانية، محذرًا من أن إضاعة هذه الفرصة قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة على المستويين الأمني والسياسي، في وقت تتعرض فيه البلاد لضغوط غير مسبوقة وتحديات تهدد مستقبلها واستقرارها.
لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: