June 01, 2026   Beirut  °C
سياسة

بعد سقوط الشقيف.. جوني خلف: إسرائيل ترسم حدودًا جديدة بالنار

بعد أكثر من 26 عاما على انسحابه منها، عاد الجيش الإسرائيلي ليفرض سيطرته على قلعة الشقيف، رافعا العلم الإسرائيلي إلى جانب علم لواء جولاني فوق أسوارها.

ويحمل سقوط القلعة أبعادا عسكرية ومعنوية وتاريخية بالغة الأهمية، نظرا إلى موقعها الاستراتيجي الذي يتيح إشرافا ناريا واسعا النطاق على مناطق الجنوب والبقاع، فضلا عن مراقبة مساحات واسعة داخل إسرائيل. كما يشكل هذا التطور تحولا بارزا في مسار المواجهة الميدانية بين إسرائيل وحزب الله، في ظل استمرار التقدم العسكري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.

فما الأهمية العسكرية والاستراتيجية للسيطرة على قلعة الشقيف؟ وكيف يمكن أن ينعكس هذا التطور على المفاوضات السياسية المرتقبة بين لبنان وإسرائيل والمزمع عقدها في 2 حزيران المقبل؟ وإلى أين تتجه الأوضاع الميدانية في جنوب لبنان خلال المرحلة المقبلة؟


في قراءة للتطورات العسكرية الميدانية، لا سيما سيطرة الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف، اعتبر الباحث السياسي والعسكري والكاتب في صحيفة نداء الوطن العميد المتقاعد جوني خلف أن سقوط القلعة بيد إسرائيل يشكل تطورا بالغ الأهمية على المستويات المعنوية والعسكرية والتاريخية، لما تمثله هذه القلعة من رمزية كبيرة في الوعي العسكري المرتبط بحزب الله والصراع الدائر في جنوب لبنان، موضحا أن قلعة الشقيف كانت منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 تمثل موقعا شديد الأهمية والتعقيد بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، إذ شكلت آنذاك تحديا عسكريا كبيرا نظرا إلى موقعها الاستراتيجي وطبيعتها الجغرافية.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن القلعة تحولت مع مرور السنوات إلى رمز للصمود والمقاومة، ما جعل أي تطور يتعلق بها يحمل أبعادا تتجاوز الجانب الميداني المباشر، مشيرا إلى أن وصول القوات الإسرائيلية إلى القلعة ورفع العلم الإسرائيلي عليها، إلى جانب علم لواء جولاني، يعد من وجهة نظره ضربة معنوية وعقائدية وعسكرية وأمنية كبيرة لحزب الله، لا سيما وأن الحزب كان يحرص خلال السنوات الماضية على تقديم القلعة بوصفها أحد أبرز رموز الثبات في مواجهة إسرائيل.


ورأى خلف أن الأهمية العسكرية لقلعة الشقيف تنبع من موقعها الاستراتيجي الذي يتيح الإشراف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة، ما يمنح القوات المسيطرة عليها قدرة أكبر على حماية المستوطنات الشمالية الإسرائيلية وتأمين نطاق واسع من الجبهة الشمالية، مشددا، في الوقت نفسه، على التمييز بين السيطرة بالنيران والسيطرة الميدانية الكاملة. واعتبر أن رفع العلم الإسرائيلي لا يعني بالضرورة وجودا عسكريا دائما ومكثفا داخل القلعة.


وأوضح أن الجيش الإسرائيلي يتجنب في المرحلة الحالية إنشاء مراكز عسكرية ثابتة داخل القلعة، وذلك بسبب المخاطر الأمنية وإمكان تعرض قواته وآلياته للاستهداف بواسطة الطائرات المسيرة أو الهجمات المباشرة. لذلك فإن أسلوب العمل الإسرائيلي الحالي يقوم على التوغل والسيطرة النارية وفرض الوقائع الميدانية، من دون التمركز العسكري التقليدي الذي كان سائدا خلال فترات سابقة.


وأكد خلف أن سقوط قلعة الشقيف يفتح المجال أمام القوات الإسرائيلية للتقدم نحو مناطق كانت تعتبر سابقا مناطق محظورة أو شديدة الصعوبة، مشيرا إلى أن نطاق العمليات العسكرية توسع بصورة ملحوظة. ولفت إلى أن التقدم الإسرائيلي تجاوز مناطق جنوب الليطاني ليطال مناطق أبعد باتجاه شمال الزهراني، ما يعني اتساع مساحة النفوذ العسكري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.


وقال إن هذا الواقع الجديد يحد من قدرة حزب الله على استخدام بعض المناطق لإطلاق الصواريخ قصيرة المدى، كما يمنح إسرائيل هامشا أوسع لتأمين مستوطناتها الشمالية التي تعتبرها أولوية أمنية قصوى في المرحلة الراهنة. كذلك رأى أن السيطرة على مواقع استراتيجية من هذا النوع تسهل العمليات العسكرية اللاحقة وتجعلها أقل تعقيدا من الناحية العملانية.


وفي ما يتعلق بالمفاوضات القائمة بين لبنان وإسرائيل، اعتبر خلف أن تل أبيب تنظر إلى المسار التفاوضي من زاوية مختلفة، مشيرا إلى أن مشاركتها في المباحثات ذات الطابع الأمني والعسكري لا تعني بالضرورة استعدادها للتوصل إلى تسوية قريبة. وأوضح أن الشرط الأساسي الذي تطرحه إسرائيل يتمثل في إنهاء وجود سلاح حزب الله في الجنوب اللبناني، وانسحاب الحزب من المنطقة، وانتشار الجيش اللبناني بصورة كاملة قبل البحث في أي ترتيبات أمنية أو تفاهمات طويلة الأمد.


ولفت إلى أن هذا الشرط يواجه عقبات كبيرة في الظروف الحالية، في ظل استمرار النفوذ الإيراني ودعمه لحزب الله، إضافة إلى تعقيدات المشهد السياسي والأمني اللبناني. ورأى أن الدولة اللبنانية تجد نفسها أمام وضع بالغ الصعوبة، إذ تواجه مطالب دولية وإسرائيلية يصعب تحقيقها في الوقت الراهن.


وأشار خلف إلى أن الوفد العسكري اللبناني ركز في مباحثاته على أولوية وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية، معربا عن تشاؤمه حيال فرص نجاح هذه المساعي. واعتبر أن أي اتفاق محتمل قد يواجه تحديات كبيرة على صعيد التطبيق الميداني.


وأكد أن القيادة الإسرائيلية باتت تتصرف وفق معادلة تقوم على غياب الخطوط الحمراء التقليدية، مستشهدا بالضربات التي طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى خلال الفترة الأخيرة. وقال إن إسرائيل تعتبر أن أي شخصية أو موقع ترى فيه تهديدا مباشرا لأمنها قد يصبح هدفا عسكريا، بغض النظر عن موقعه داخل الأراضي اللبنانية.


وفي تقييمه للمشهد العام، رأى خلف أن المفاوضات العسكرية القائمة لن تحقق نتائج حاسمة في المدى المنظور، وأن إسرائيل ستواصل السعي إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تعزز موقعها التفاوضي. وقال إن الأمن الإسرائيلي يشكل أولوية مطلقة بالنسبة إلى صناع القرار في إسرائيل، وإن هناك تفاهما واضحا مع الجانب الأميركي حول هذا المبدأ.


وأشار إلى أن المفاوض اللبناني يفتقر حاليا إلى أوراق قوة ميدانية مؤثرة تمكنه من تحسين شروط التفاوض، في وقت تستند فيه إسرائيل إلى واقع عسكري تعتبره أكثر ملاءمة لمصالحها، مؤكدا أن قدرة الدولة اللبنانية على فرض قرار السلم والحرب بصورة كاملة لا تزال موضع تساؤل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مسار المفاوضات وعلى مستقبل التطورات العسكرية والسياسية في المرحلة المقبلة.


وعليه، لم تعد بيروت والضاحية الجنوبية بمنأى عن احتمالات الاستهداف الإسرائيلي، في ضوء ما تعكسه التصريحات الأخيرة لعدد من المسؤولين الإسرائيليين، وما يشير إلى اتساع نطاق بنك الأهداف. ويأتي ذلك في ظل مؤشرات على عدم تشدد أميركي حيال ضرب العمق اللبناني، ما يضيف بعدا جديدا إلى المشهد الداخلي المتوتر.