بعد الدمار الهائل وغير المسبوق الذي ألحقته إسرائيل بمناطق واسعة من جنوب لبنان، وما رافقه من موجات نزوح وتهجير طالت مئات آلاف السكان وأفرغت عددا من المدن والبلدات من قاطنيها، تتصاعد التساؤلات حول مستقبل الجنوب في المرحلة المقبلة.
فإلى أين تتجه الأوضاع الميدانية؟ وما هي الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في الجنوب اللبناني خصوصا، وعلى مستوى لبنان عموما؟ وهل سيتوقف التوغل الإسرائيلي عند حدود معينة، أم أن المشهد يتجه نحو اجتياح أوسع يعيد إلى الأذهان سيناريو العام 1982 وتداعياته؟
في هذا السياق، حذر الكاتب والباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين من المخاطر المترتبة على استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في القرى الجنوبية، معتبرا أن ما يحصل يذكر في جوانب عدة باجتياح العام 1982، لا سيما لناحية التدمير الواسع النطاق ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن القرى الجنوبية تشهد عمليات تدمير ممنهج وشامل، مشيرا إلى أن الخطر لا يقتصر على الدمار المادي فحسب، بل يتعداه إلى تهجير السكان بصورة متواصلة. وأوضح أن نطاق التهجير يتوسع يوما بعد يوم، بعدما شمل عشرات البلدات والقرى الحدودية، ليمتد تدريجيا إلى مناطق أوسع باتجاه جنوب الزهراني وصيدا.
واعتبر شمس الدين أن ما يحصل يوحي بمحاولة إنشاء شريط طويل خال من السكان، عبر دفع الأهالي إلى النزوح من قراهم ومناطقهم الأصلية، معربا عن خشيته من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى تكريس واقع جديد يسمح للجيش الإسرائيلي بتثبيت وجوده العسكري في مساحة أوسع بكثير من تلك التي كان يسيطر عليها سابقا، مشابهة لما قبل العام 2000.
وأشار إلى أن هذا السيناريو قد يفضي لاحقا إلى إعلان وقف لإطلاق النار من دون معالجة جوهر المشكلة، بحيث يتوقف القتال المباشر، لكن بعد أن يكون الجيش الإسرائيلي قد فرض واقعا ميدانيا جديدا يمكن البناء عليه مستقبلا من موقع قوة، الفتا إلى أن الفارق كبير بين احتلال عشرات القرى الحدودية وبين السيطرة على مساحة تمتد إلى عمق أكبر وتضم عددا أكبر بكثير من البلدات.
وأوضح شمس الدين أنه يستبعد في المرحلة الحالية حصول اجتياح واسع النطاق باتجاه مدينتي بيروت أو صيدا، نظرا إلى ما يتطلبه ذلك من وقت وكلفة عسكرية مرتفعة، إلا أنه رأى أن ما يحصل حاليا يهدف إلى توسيع المنطقة المنزوعة من سكانها وصولا إلى نهر الزهراني، الأمر الذي يؤدي عمليا إلى زيادة مساحة الأراضي المهجرة والخالية من السكان.
وفي ما يتعلق بحجم الدمار، أكد أن الحرب السابقة كانت قد أدت إلى تدمير نحو 26 بلدة بشكل كامل، فيما أضيفت خلال الحرب الحالية بلدات أخرى تعرضت لدمار شامل، ليصل عدد البلدات المدمرة كليا إلى نحو 32 بلدة، متحدثاعن وجود ما يقارب 100 بلدة إضافية تعرضت لأضرار جسيمة ومتفاوتة، بينها بلدات كبيرة ومناطق مأهولة شهدت مستويات مرتفعة من التدمير.
وقال شمس الدين إن بعض البلدات الواقعة على ضفاف نهر الليطاني، إضافة إلى مناطق وبلدات رئيسية في الجنوب، باتت شبه مدمرة نتيجة حجم الاستهداف الذي تعرضت له. وبذلك، فإن العدد الإجمالي للبلدات التي طاولها الدمار الكلي أو الجزئي يناهز 132 بلدة، أي ما يقارب نصف قرى الجنوب اللبناني.
وعن كلفة إعادة الإعمار، أوضح أن التقديرات الأولية تشير إلى أن كلفة إعادة بناء المساكن المدمرة في الجنوب وحده قد تصل إلى نحو 3 مليارات دولار كحد أدنى، استنادا إلى أعداد الوحدات السكنية المتضررة والمهدمة بصورة كلية أو جزئية والتي تبلغ نحو 23 ألف وحدة، مؤكدا أن الخسائر لا تقتصر على الأبنية والممتلكات، بل تشمل تداعيات اقتصادية واسعة النطاق. فهناك مؤسسات ومتاجر ومطاعم ومحال تجارية توقفت عن العمل نتيجة النزوح وانعدام الحركة الاقتصادية، حتى في الحالات التي لم تتعرض فيها هذه المنشآت للتدمير المباشر.
وأشار شمس الدين إلى أن آلاف العاملين وأصحاب المصالح فقدوا مصادر دخلهم خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق المتضررة، مؤكدا أن الخسائر الاقتصادية غير المباشرة قد تكون في بعض الأحيان موازية للخسائر المادية المباشرة، نظرا إلى توقف الأعمال وفقدان فرص العمل وتراجع الحركة التجارية بصورة كبيرة.
وفي ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية واتساع رقعة الدمار والتهجير، يواجه الجنوب اللبناني واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث. قرى مدمرة، وأحياء خالية من سكانها، وآلاف العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، فيما تتفاقم الخسائر الاقتصادية والإنسانية يوما بعد يوم. وبين غياب أي أفق واضح لوقف التصعيد، تبقى المخاوف قائمة من أن يتحول الواقع الميداني القائم إلى أمر واقع طويل الأمد، يزيد من معاناة الأهالي ويعمق جراح منطقة دفعت أثمانا باهظة على مختلف المستويات.