حذر الصحافي والمحلل السياسي وجدي العريضي من أن لبنان يقف أمام مرحلة شديدة الخطورة قد تتجاوز في تداعياتها ما شهده خلال اجتياح عام 1982، معتبرًا أن الساعات والأيام المقبلة قد تحمل مزيدًا من التصعيد العسكري والتوسع الإسرائيلي وعمليات الاغتيال الأمنية والسياسية، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها على الداخل اللبناني.
وفي مقابلة ضمن برنامج "حوار الليلة" مع الإعلامي ربيع ياسين عبر منصة "بالعربي"، رأى العريضي أن ما آلت إليه الأوضاع في الجنوب يشكل انتكاسة كبيرة للبنان، متهمًا حزب الله بأنه أدخل البلاد في مواجهة لم تكن في مصلحة اللبنانيين من خلال ما وصفه بـ"إسناد إيران من لبنان"، الأمر الذي أدى، بحسب تعبيره، إلى خسائر ميدانية واسعة ونزوح مئات الآلاف من أبناء الجنوب إلى مختلف المناطق اللبنانية.
واعتبر أن إسرائيل تمكنت من تحقيق تقدم ميداني لم يكن متوقعًا، مشيرًا إلى أن هدفها الأساسي لم يعد السيطرة على المدن بقدر ما هو القضاء على البنية الصاروخية والعسكرية لحزب الله ومنع إعادة بناء قدراته العسكرية. وقال إن التطور التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي يجعل الوصول إلى القيادات العسكرية والأمنية أكثر سهولة من أي وقت مضى، ما يفسر استمرار سياسة الاغتيالات التي قد تتوسع خلال المرحلة المقبلة.
وأكد العريضي أنّ الظروف الحالية تختلف عن مرحلة اجتياح عام 1982، إذ لم تعد إسرائيل بحاجة إلى دخول بيروت لتحقيق أهدافها العسكرية، معتبرًا أنها قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة في أي مكان داخل لبنان من خلال التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الذي تمتلكه. لكنه في الوقت نفسه لم يستبعد استمرار التصعيد أو توسعه نحو مناطق جديدة إذا بقي الوضع على ما هو عليه.
وتوقف عند المقارنات التي تُعقد بين الخطاب السياسي والعسكري الذي سبق اجتياح 1982 والخطابات التي سبقت الحرب الحالية، معتبرًا أن الشعارات التي رُفعت حول الوصول إلى الجليل أو تغيير قواعد الاشتباك انتهت بنتائج معاكسة على الأرض، حيث خسر لبنان أجزاء واسعة من جنوبه وتعرضت مناطقه الجنوبية والبقاعية لدمار كبير.
وفي ما يتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في الجنوب، رأى العريضي أنّ انسحاب إسرائيل يبقى مرتبطاً بالتوصل إلى تسوية سياسية وأمنية شاملة تشمل ملف سلاح حزب الله، معتبرًا أن هذا الملف بات جزءًا من شبكة معقدة من المفاوضات الإقليمية والدولية، ولا سيما المفاوضات الأميركية – الإيرانية. وقال إن إيران لا تزال تنظر إلى ورقة حزب الله وسلاحه باعتبارها إحدى أوراق التفاوض الأساسية في المنطقة.
وعن المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، أوضح أن اللقاءات الأمنية والعسكرية ليست أمرًا مستجدًا في النزاعات والحروب، معتبرًا أنها تركز على ملفات ميدانية تتعلق بالحدود والانسحاب وترتيبات الأمن وانتشار الجيش اللبناني وآليات تطبيق الاتفاقات القائمة، فيما تبقى المفاوضات السياسية أكثر تعقيداً وقد تستغرق وقتاً طويلاً قبل الوصول إلى نتائج حاسمة.
وفي معرض حديثه عن المفاوضات الأميركية – الإيرانية، أعرب العريضي عن تخوفه من أن يتم التعامل مع الملف اللبناني كورقة ضمن التسويات الإقليمية الكبرى، مستحضرًا تجارب سابقة اعتبر أن لبنان دفع خلالها أثمانًا نتيجة تفاهمات دولية وإقليمية جرت على حسابه. لكنه شدد في المقابل على أن المجتمعين الأميركي والخليجي لم يعودا يقبلان باستمرار واقع السلاح خارج الدولة اللبنانية، وأن الضغوط الحالية تتجه نحو فرض معادلة جديدة عنوانها حصرية السلاح بيد الدولة.
وفي هذا السياق، اعتبر أن لعبة الاغتيالات لا تزال مفتوحة، وأن إسرائيل لن تتوقف عن استهداف قيادات حزب الله طالما أن الظروف الميدانية والسياسية تسمح لها بذلك، محذرًا من إمكان تكرار ما وصفه بـ"الأربعاء الأسود" في بيروت إذا استمر التصعيد الحالي ولم تُعالج الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة.
وتناول العريضي أيضًا العقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت شخصيات سياسية وأمنية ومرتبطة بإيران، معتبرًا أن واشنطن بدأت توجيه رسائل مباشرة وحاسمة إلى مختلف الأطراف اللبنانية والإقليمية، وأن هذه الرسائل تعكس تحولًا واضحًا في مقاربة الولايات المتحدة للملف اللبناني ولنفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة.
وفي الشأن الداخلي، أشاد بمواقف رئيس الحكومة نواف سلام، مؤكدًا أنّه متمسك بتطبيق اتفاق الطائف والقرارات الدولية وبقرارات مجلس الوزراء المتعلقة بحصرية السلاح، كما اعتبر أن الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لا تخدم الاستقرار الداخلي في هذه المرحلة الحساسة.
وعن الدور السعودي، رأى العريضي أن المملكة لا تزال تلعب دورًا أساسيًا في حماية الاستقرار اللبناني والحفاظ على التوازنات الداخلية، مشيرًا إلى أهمية التحركات التي يقودها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان والجهود المستمرة لمنع انزلاق لبنان نحو الفوضى أو المواجهات الداخلية. كما لفت إلى استمرار التنسيق السعودي – الفرنسي حول عدد من الملفات اللبنانية، وفي مقدمها الاستقرار السياسي ودعم المؤسسات الشرعية.
وفي ما يخص ملف النازحين اللبنانيين من الجنوب، اعتبر أن الأزمة مرشحة للتفاقم في ظل استمرار العمليات العسكرية، داعيًا إلى معالجة وطنية شاملة بعيدًا عن الحسابات السياسية والطائفية، ومشددًا على ضرورة إيجاد حلول تحفظ كرامة النازحين وتراعي خصوصيات المناطق اللبنانية المختلفة.
كما شدد على أهمية تحصين الجبهة الداخلية اللبنانية ومنع أي توترات طائفية أو مذهبية، معتبرًا أنّ اللبنانيين لم يعودوا قادرين على تحمل مزيد من الانقسامات بعد الأزمات الاقتصادية والمالية والأمنية التي عاشوها خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن الحفاظ على المصالحات الوطنية والتوازنات الداخلية بات ضرورة وجودية في المرحلة الراهنة.
وفي ملف قانون العفو العام، أعرب العريضي عن أمله في التوصل إلى معالجة متوازنة تضمن إنصاف الموقوفين الذين لم تُحسم ملفاتهم بعد، مشيرًا إلى وجود اتصالات وتحركات سياسية وقضائية مستمرة بعيداً من الإعلام لمعالجة هذا الملف بعد عطلة عيد الأضحى. كما توقع أن تشهد قضية الشيخ أحمد الأسير والفنان فضل شاكر تطورات إيجابية خلال المرحلة المقبلة، منتقدًا أداء المحكمة العسكرية في عدد من الملفات التي أثارت جدلًا واسعًا خلال السنوات الماضية.
وختم العريضي بالتأكيد أن لبنان يمر بمرحلة استثنائية هي الأخطر منذ سنوات طويلة، داعيًا إلى تغليب منطق الدولة والمؤسسات على منطق المحاور والصراعات الإقليمية، ومعتبرًا أن مستقبل البلاد مرتبط بقدرتها على استعادة قرارها السيادي ومعالجة الملفات العالقة بعيداً من الحسابات الخارجية التي دفعت اللبنانيين، وفق تعبيره، أثمانًا باهظة نتيجة تداعياتها.
لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: