لا يزال الصراع الأميركي - الإيراني يتأرجح بين تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإمكانِ العودة إلى ساحة المعركة من جهة وبين السير بالمفاوضات وإعطاء الهدن من جهة أخرى، فأخيرا كشف موقع "اكسيوس" عن اتفاق مبدئي يقضي بتمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوما، بالتزامن مع إطلاق مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، بانتظار الموقف النهائي للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
هذا التناقض الحاد بين لغة الحرب وخطاب التسوية لم يعد غريبا في سياسة ترامب التي يتبعها مع إيران، وفقا لما نشرته بعض الصحف الأجنبية، لا سيما في ظل محاولته إبقاء الضغوط السياسية والعسكرية قائمة بالتوازي مع فتح باب التفاوض.
فهل ينجح مسار التفاوض هذه المرة في تخفيف التوترات وفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارا، أم أن المنطقة لا تزال بعيدة عن أي تسوية؟
في هذا السياق، أكد المدير التنفيذي لرؤية العَوْرَبة الدكتور نوفل ضو أنه حتى لو انتهت المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى بالصورة الحالية، فإن التوترات في المنطقة لم تنتهِ بعد، ولا يبدو أنها ستنتهي قريبا، معتبرا أن المنطقة والعالم يمران بمرحلة "إعادة ترتيب للنظام العالمي"، سينتج عنها إعادة تشكيل للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن ما يحصل اليوم يشكل جزءا من محاولة تحديد حجم إيران ودورها داخل النظام الإقليمي الجديد، لافتا إلى أن المسألة لا تتوقف عند إيران فقط، إذ إن حجم إسرائيل ودورها لم يُحسما بعد، كما أن الواقع العربي والتركي لا يمكن تجاهله في رسم التوازنات المقبلة. وقال إن إسرائيل تسعى إلى فرض "شرق أوسط جدي" وفق رؤيتها، فيما تريد إيران نظاما إقليميا يعكس نفوذها، في وقت بات فيه العرب يتمسكون بدورهم ويرفضون تجاوزهم كما كان يحصل سابقا.
ورأى ضو أن المنطقة تمر اليوم بمجموعة مراحل هدفها إعادة رسم موازين القوى، ما يجعل حالة عدم الاستقرار مرشحة للاستمرار على المدى المتوسط، وقد تتخذ أشكالا مختلفة، سواء عبر الحروب أو عبر استمرار التوترات السياسية والأمنية.
وفي ما يتعلق بلبنان، أوضح أنه لا يمكن ربط الحرب الإيرانية - الأميركية مباشرة بما يحصل على الساحة اللبنانية، لكن في المقابل لا يمكن فك المسارين بالكامل عن بعضهما، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تحاول فصل المسارات، كما أن لبنان يسعى إلى ذلك، إلا أن المناخ الإقليمي العام ينعكس حكما على الساحات الأصغر، ومنها لبنان.
وقال ضو إن إيران تحاول تكريس نفسها كقوة إقليمية، فيما يسعى حزب الله إلى لعب دور يتجاوز حدود لبنان، وهو ما ينعكس على موازين القوى ومسار المفاوضات، معتبرا أن إسرائيل تستخدم الجبهة اللبنانية كورقة ضمن التفاوض الإقليمي، خصوصا وأنها شاركت في الحرب على إيران لكنها ليست جزءا مباشرا من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، لذلك تحاول الاحتفاظ بأوراق قوة مرتبطة بإدارة المنطقة، تماما كما تفعل إيران.
وعن فرص الاتفاق بين واشنطن وطهران، أشار إلى أن التوصل إلى اتفاق لن يكون سهلا، لأن إيران ستكون مضطرة إلى تقديم تنازلات، ما سيطرح تساؤلات داخلية حول كلفة الحرب ونتائجها، حتى داخل النظام الإيراني نفسه، حيث ستبدأ عملية تبادل للمسؤوليات بشأن الحرب أو أي اتفاق محتمل، لافتا إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخوض بدوره مواجهة داخلية، إذ يسعى إلى تجنب اتهامه بإعادة إنتاج الاتفاق الذي أبرمه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مع إيران. ورأى أن ترامب لا يخوض فقط مواجهة مع إيران، بل أيضا مع الديمقراطيين، ومع الصقور الجمهوريين، ومع الإعلام الأميركي، ما يفسر حجم الارتباك الذي يطبع المرحلة الحالية لدى الطرفين الإيراني والأميركي.
أما على المستوى اللبناني، فاعتبر ضو أن هناك محاولات واضحة لفصل لبنان عن المسار الإيراني، في ظل سعي أميركي وإسرائيلي، إضافة إلى مصلحة عربية، لفك ارتباط النظام الإقليمي الإيراني بساحات المنطقة، طارحا، في هذا الإطار، علامة استفهام أساسية حول قدرة لبنان على إعادة تموضعه بعيدا عن إيران، والعودة إلى نظام إقليمي يسمح له بالاندماج مجددا في النظام العالمي، خصوصا وأن لبنان ليس دولة إقليمية بل دولة بحجم وحدود لبنان.
وشدد على أن التحدي الأساسي أمام المسؤولين اللبنانيين يتمثل في القدرة على مواكبة هذه المرحلة واتخاذ القرارات المطلوبة، معتبرا أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بما سيليه سياسيا وأمنيا.
وختم ضو: لبنان سيكون أمام استحقاقات بالغة الأهمية، مشيرا إلى أن المشكلة لم تُحل بعد حرب تموز 2006، كما لم تُحل بعد اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024، وبالتالي فإن التحدي اليوم يبقى نفسه، ويتمثل في قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ خطوات تثبت أنها قادرة على إدارة مرحلة جديدة من الاستقرار، لأن وقف الحرب وحده لا يكفي.
على ما يبدو أن المنطقة لا تزال تعيش على وقع توازن هش بين "التهديد" و "الدبلوماسية"، في وقت تبدو فيه المفاوضات جزءا من إدارة الصراع أكثر من كونها مسارا واضحا نحو الحل.