أثار موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط في تصريحاته الأخيرة جدلا سياسيا واسعا، لا سيما بعد انتقاده خصوم حزب الله وتشبيهه لرئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع بـ "النبي موسى".
ويأتي هذا التشبيه في سياق الخطاب السياسي والسجال المستمر في ظل توتر دائم بين جنبلاط وجعجع حول عدد من القضايا الداخلية، التي تتراوح بين مقاربة ملف الدولة، والتوازنات السياسية، وطبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية والدور المسيحي في المعادلة اللبنانية، ما يجعل هذا السجال جزءا من خلاف سياسي ممتد لا يقتصر على المواقف الآنية بل يعكس تباينا أعمق في الرؤية إلى مستقبل لبنان.
في هذا الإطار، أكد الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشماعي أن وليد جنبلاط يُعرف بتقلباته السياسية التي تتأقلم مع المتغيرات الدولية والإقليمية، انطلاقا من مقاربة يعتبر أنها تهدف إلى الحفاظ على التوازنات الداخلية وحماية البيئة الاجتماعية التي يمثلها، لافتا إلى أن التحولات التي تشهدها المنطقة لا ترتبط فقط بالسياق اللبناني الداخلي أو اللبناني - الإسرائيلي، بل تأتي ضمن مسار إقليمي أوسع يعيد رسم التوازنات، ما يفرض على اللبنانيين اعتماد مقاربة أكثر تشددا تجاه الدولة اللبنانية.
واعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الدولة اللبنانية المقبلة، في حال تشكلها، لن تشبه تلك التي عاش في ظلها جنبلاط سابقا، والتي، بحسب تعبيره، استخدمت لتحقيق مكاسب سياسية قبل أن تستنزف لاحقا.
وفي ما يتعلق بتشبيه رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع بالنبي "موسى"، رأى شماعي أن هذا التشبيه يحمل دلالة رمزية على القيادة والعبور. وقال: إذا كان المقصود الإيحاء بقدرة الدكتور جعجع على قيادة اللبنانيين نحو "التحرر"، فإن ذلك يضع هذا الطرح في سياق سياسي قابل للنقاش، بعيدا من الاستعارات الدينية والفلسفية.
وأشار إلى أن الخطاب السياسي في لبنان يتأثر بشكل مباشر بالمجريات الإقليمية والدولية، معتبرا أن تشدد الخطاب الحالي يعكس تحولا في المزاج السياسي العام، في ظل قناعة متزايدة لدى شرائح لبنانية بأن خيارات المحاور السابقة لم تعد تنتج استقرارا، ما يدفع نحو البحث عن صيغة جديدة أكثر استقرارا.
وفي ما يخص حديث جنبلاط عن غياب قنوات التواصل مع حزب الله، شدد شماعي على أن الأولوية اليوم يجب أن تكون لبناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، بدل التركيز على التفاهمات بين الأطراف السياسية، معتبرا أن الدولة يجب أن تستعاد كمرجعية أساسية بدل "الدويلة" التي هيمنت على المشهد خلال العقود الماضية.
أما في ما يتعلق بالإشارة إلى العلاقة مع رئيس القوات اللبنانية، فرأى أن الأمر يحمل بعدين، شخصيا وسياسيا، لكنه اعتبر أن جوهر النقاش اليوم لم يعد في العلاقات بين الزعامات، بل في إعادة صياغة الدولة اللبنانية، معتبرا أن الشارع الدرزي بات يميل أكثر نحو الطرح السيادي وإلى بناء شراكة مع الشارعين المسيحي والسني، خصوصا في إقليم الخروب. كما اعتبر أن هناك اختلافا بين وليد جنبلاط ونجله تيمور جنبلاط في النظرة إلى مستقبل لبنان، مرجحا أن تظهر هذه المقاربة بشكل أوضح خلال المرحلة المقبلة.
وشدد شماعي على أن المسار العام في لبنان يتجه نحو إعادة رسم التوازنات الداخلية، في ظل تغيرات إقليمية كبرى، معتبرا أن الرهان الأساسي لم يعد على التسويات التقليدية، بل على صياغة نموذج دولة جديد يقوم على الصيغة الاتحادية الحيادية، ويعيد تعريف العلاقة بين المكونات اللبنانية، بما فيها الطائفة الدرزية التي تبحث بدورها عن موقعها في هذا التحول.
وعليه، يبقى السجال بين القوى السياسية اللبنانية مستمرا في ظل مشهد سياسي لا يزال في حالة إعادة تشكل، ما يبقي النقاش مفتوحا على احتمالات عدة بشأن اتجاهات المرحلة المقبلة وحدود الاستقرار السياسي في لبنان.