لم تعد العقوبات الأميركية تقتصر فقط على شخصيات أو جهات مرتبطة بحزب الله، بل باتت تطال للمرة الأولى ضباطا ومسؤولين أمنيين لا يزالون في الخدمة الفعلية داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.
فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على ثمانية أشخاص لبنانيين إلى جانب السفير الإيراني في لبنان، معتبرة أن المستهدفين يساهمون في الحفاظ على نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة ويعرقلون مسار نزع سلاحه.
ويأتي ذلك وسط حديث أميركي عن احتمال توسيع هذه العقوبات لتشمل أسماء إضافية، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة الرسائل الأميركية الجديدة، وما إذا كانت واشنطن بدأت تستهدف النفوذ داخل بنية الدولة اللبنانية نفسها.
في هذا الإطار، أكد رئيس تحرير موقع جنوبية الصحافي علي الأمين أن العقوبات الأميركية الأخيرة على ضباط لا يزالون في الخدمة الفعلية تحمل رسالة مباشرة إلى الدولة الموازية والدولة العميقة، معتبرا أن واشنطن تحاول الدفع باتجاه تكريس مرجعية الدولة داخل المؤسسات الرسمية، لا سيما الأمنية والعسكرية.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الحكومة اللبنانية أظهرت خلال المرحلة الماضية ضعفا في قدرتها على التحكم الكامل بالأجهزة، مستشهدا بحادثة الروشة، التي أظهرت إلى أي مدى أن رئيس الحكومة نفسه لم يكن ممسكا بشكل كامل بالمؤسسات الأمنية والعسكرية، معتبرا أن الولايات المتحدة، باعتبارها تتابع الوضع اللبناني وتدير المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، معنية بمساعدة الدولة اللبنانية على أن تكون صاحبة القرار.
ولفت الأمين إلى أن الرسالة لا تقتصر على الضابطين الذين طالتهم العقوبات، بل شملت أيضا مستشار رئيس مجلس النواب نبيه بري، بهدف التأكيد أن الولاء يجب أن يكون للمؤسسة وليس لأفراد أو ميليشيات أو شخصيات سياسية. وقال إن كثيرا من الضباط خلال السنوات الماضية كانوا يعتبرون أن ولاءهم لمن عينهم أو يؤمن لهم النفوذ والمصالح يتقدم على الولاء للمؤسسة، نتيجة ضعف الدولة واختلال موازين القوى.
وأوضح أن العقوبات قد تدفع عددا من الضباط إلى إعادة حساباتهم، بعدما كان التقرب من حزب الله يشكل "مكسبا ونفوذا"، فيما أصبح اليوم "عبئا"، معتبرا أن الأمر قد ينعكس تراجعا تدريجيا في نفوذ الحزب داخل الإدارة العامة والمؤسسات الأمنية.
وأشار الأمين إلى أن ما يحصل لا يعني بالضرورة انتقالا أميركيا من استهداف الأفراد والشبكات المالية إلى مسار مختلف بالكامل، بل هو مستوى جديد من الرسائل داخل بنية الإدارة اللبنانية، رابطا ذلك بالورقة التي سبق أن قدمها الموفد الأميركي توم براك بعد اتفاق 27 تشرين الثاني، والتي تناولت ملفات حصرية السلاح، والإصلاحات الإدارية، وترسيم الحدود.
ورأى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تحرير مؤسسات الدولة من نفوذ الدولة الموازية، معتبرا أن هذا المسار سيستمر طالما هناك دور أميركي فاعل في لبنان، وطالما تواصل الحكومة اللبنانية التزامها بمسار حصرية السلاح.
وأكد الأمين أن العقوبات تستهدف بالدرجة الأولى نفوذ حزب الله داخل الإدارة اللبنانية، باعتبار أن الحزب يمتلك قدرة واسعة على النفاذ إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية، مشددا، في الوقت نفسه، على أن أي تدخل سياسي داخل الإدارة يبقى مرفوضا، إلا أن خطورة تدخل حزب الله تكمن في طبيعة مشروعه الأمني والعسكري وتجاوزه الحدود اللبنانية.
وعليه، تبدو الرسائل الأميركية في هذه المرحلة أكثر حدة، مع انتقال واضح في لهجة العقوبات من استهداف شخصيات مرتبطة بحزب الله إلى التلويح بمسار أوسع قد يطال بنية النفوذ داخل مؤسسات الدولة. وبينما تشير واشنطن إلى احتمال توسيع لائحة العقوبات في المرحلة المقبلة، يبقى السؤال حول مدى انعكاس هذا التصعيد على الداخل اللبناني، وعلى سلوك القوى والأفراد داخل الإدارة والأجهزة الرسمية.