May 22, 2026   Beirut  °C
سياسة

العميد أندره بو معشر: الجنوب على حافة الانفجار… وخطأ واحد قد يشعل المواجهة

مع سريان هدنة الـ45 يومًا بين لبنان وإسرائيل، تتجه الأنظار إلى واشنطن باعتبارها اللاعب الأبرز القادر على رسم ملامح المرحلة المقبلة، وسط تساؤلات متصاعدة: هل تشكل هذه المهلة مدخلًا جديًا لتسوية سياسية، أم أنها مجرد "استراحة محارب" مؤقتة تسبق انفجارًا مؤجلًا؟

الهدنة، التي يُفترض أن تنتهي أواخر حزيران، تبدو حتى الآن هشّة ومفتوحة على كل الاحتمالات، في ظل غياب وقف شامل لإطلاق النار، واستمرار سياسة الضربات الانتقائية من الجانب الإسرائيلي، مقابل ردود محسوبة من حزب الله.


وفي هذا المناخ المشحون، يطفو سؤال أكثر حدة: هل تمثّل هذه المهلة الفرصة الأخيرة قبل التسوية، أم أنها هدنة على حافة الانفجار؟


وفي هذا الإطار، رأى العميد الركن الطيار أندره بو معشر، رئيس الهيئة التنفيذية لمركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات، أن النقاش لم يعد يقتصر على ما إذا كانت مهلة الـ45 يومًا هي الأخيرة، بل بات يرتبط بطبيعة المرحلة نفسها، وما إذا كان لبنان والمنطقة يعيشان فعلاً هدنة بالمعنى العسكري والسياسي الكامل، أم مجرد مرحلة انتقالية هشّة تُطلق عليها توصيفات قد لا تعكس بدقة واقع الميدان والتوازنات القائمة.


وأوضح، في حديثه لمنصّة "بالعربي"، أنّه من الناحية الدقيقة، لا يبدو أنّ ما يجري هو هدنة تقليدية أو وقف فعلي لإطلاق النار، لأن هذين المفهومين يفترضان توقفًا واضحًا ومتبادلًا للأعمال العدائية ضمن تفاهم مستقر وقابل للمراقبة والتنفيذ. أمّا الواقع الحالي، فيبدو أقرب إلى استمرار منضبط للأعمال العدائية ضمن سقوف محسوبة، تتحكم بها اعتبارات إقليمية ودولية أكثر مما تحكمها تسوية نهائية واضحة.


وانطلاقًا من ذلك، اعتبر أن السؤال حول ما إذا كانت هذه "آخر هدنة" قد لا يكون الأكثر دقة، مشيرًا إلى أن السؤال الجوهري يتمحور حول ما إذا كانت مصالح الأطراف ما تزال تسمح باستمرار هذا الانضباط الهش، أم أنّ البيئة تتجه نحو انفلات جديد.


ولفت إلى أن هذا المشهد يقوم على ثلاثة أسباب رئيسية تُبقيه في حالة هشاشة.


أولًا، لأن الاحتكاك الميداني لا يزال قائمًا، ما يُبقي خطر الانزلاق مفتوحًا في أي لحظة. وبين أنه، في ظل هذا الواقع، قد يكفي خطأ تكتيكي أو سوء تقدير أو حادث ميداني محدود لإعادة إشعال المواجهة، في بيئة غير مستقرة بطبيعتها.


ثانيًا، لأن منطق التفاوض الحالي لا يبدو قائمًا على حافز كافٍ للتسوية السريعة. وأوضح أن علم التفاوض يعتمد على مفهوم BATNA، أي "أفضل بديل عن الاتفاق"، حيث تتراجع فرص التسوية عندما يعتقد كل طرف أن عدم التوصل إلى اتفاق قد يكون أقل كلفة أو أكثر فائدة من الاتفاق نفسه.


وأشار إلى أن هذا الواقع ينطبق إلى حد بعيد على المشهد الحالي، إذ قد ترى إسرائيل أن استمرار الضغط أو إبقاء هامش العمل العسكري المفتوح يمنحها شروطًا أفضل، فيما قد يرى حزب الله أن تقديم تنازلات استراتيجية في هذه المرحلة أعلى كلفة من الانتظار أو إعادة التموضع ضمن تطورات إقليمية أوسع. وفي هذه الحالة، يتحول التفاوض إلى إدارة للوقت والضغط، لا إلى مسار فعلي للوصول إلى تسوية.


ثالثًا، بحسب بو معشر، هناك معضلة بنيوية تتعلق بالمقاربة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الاحتفاظ بحق التحرك العسكري الأحادي كلما اعتُبر أن الأمن مهدد. واعتبر أن هذه النقطة شديدة الخطورة، لأن أي ترتيبات أمنية لا يمكن أن تكون مستقرة إذا لم يُتفق على قواعد واضحة لاستخدام القوة وحدودها، وإلا بقيت التفاهمات مؤقتة وقابلة للاهتزاز.


وفي ما يخص الحديث عن "تعثر المفاوضات العسكرية"، أوضح أن ما يجري ليس تفاوضًا عسكريًا تقليديًا لإنهاء حرب، بل مسار تقني – أمني يتعلق بترتيبات الانتشار، وآليات الضبط، ودور الجيش اللبناني في الجنوب، إضافة إلى مقاربة ملف حصرية السلاح ضمن الإطار السيادي اللبناني.


وحذر من أن استمرار هذا المسار، في ظل غياب وقف فعلي لإطلاق النار، يُضعف الموقف اللبناني موضوعيًا، لأنّ التفاوض تحت الضغط العسكري لا ينتج توازنًا تفاوضيًا، بل يخلق اختلالًا يميل لصالح الطرف الأكثر قدرة على فرض الشروط.


وانطلاقًا من ذلك، رأى بو معشر أن تعثر هذا المسار يفتح الباب أمام ثلاثة احتمالات رئيسية.


الاحتمال الأول يتمثل في استمرار الوضع القائم نفسه: لا حرب شاملة ولا استقرار فعلي، بل إدارة مستمرة للتوتر ضمن انضباط هش بانتظار متغيرات إقليمية أو سياسية أكبر.


أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في الانزلاق إلى تصعيد محدود أو متدرج نتيجة حادث ميداني أو قرار سياسي باستخدام الضغط العسكري لتحسين الشروط التفاوضية.


في حين يتمثل الاحتمال الثالث، وهو الأخطر، في انهيار كامل لهذا الانضباط والعودة إلى مواجهة أوسع، إذا وصلت الأطراف إلى قناعة بأن كلفة استمرار الوضع الراهن أو التسوية المطروحة باتت أعلى من كلفة التصعيد.


وفي خلفية هذا المشهد، شدد على أن العامل الإقليمي يبقى حاسمًا، إذ إن جزءًا كبيرًا من التطورات مرتبط بالتفاهمات أو التوترات الأوسع في المنطقة، ما يجعل لبنان عرضة دائمًا لأن يكون ساحة انتظار لقرارات تُصنع خارجه، لا شريكًا في صياغتها.


وأكد أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في إدارة التهدئة بحد ذاتها، بل في غياب معالجة الجذور التي تعيد إنتاج التوتر. فمحاولات ضبط النار من دون معالجة أسبابها تبقى، في أفضل الأحوال، إدارة مؤقتة لأزمة مفتوحة.


وخلاصة ما يطرحه بو معشر أن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت مهلة الـ45 يومًا هي الأخيرة، بل ما إذا كان يجري فعلاً بناء مسار مستدام يمنع الجولة المقبلة، أم أنّ ما يحصل لا يتعدّى كونه تأجيلًا لها.


وبناءً على ذلك، تشكل الأسابيع المقبلة اختبارًا فاصلاً للمسار التفاوضي؛ فإما أن تنجح واشنطن في تحويل التهدئة الهشة إلى تفاهمات مستدامة تُثبت قواعد اشتباك جديدة في الجنوب، وإما أن تعود المفاوضات إلى نقطة الصفر، لتبدو "هدنة الـ45 يومًا" مجرد استراحة مؤقتة تسبق مواجهة مفتوحة وأكثر خطورة.