لا يزال قانون العفو يتصدر واجهة المشهدين السياسي والأمني، فبين التأجيل والمماطلة من جهة، ومحاولات الوصول إلى صيغة ترضي جميع الأطراف وتحقق العدالة من جهةٍ ثانية، يبقى الانقسام حادًا حول نطاقات الاستثناءات وحدود "العفو الشامل". وبين هذا وذاك، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستؤول إليه النقاشات النيابية، وما إذا كانت ستفضي إلى صيغة توافقية قابلة للمرور في الهيئة العامة، أم أن الملف سيبقى عالقًا في دائرة التجاذب السياسي بانتظار تسويةٍ أشمل.
وفي هذا الإطار، أوضح النائب في البرلمان اللبناني بلال الحشيمي أن تأجيل الجلسة الخاصة بالعفو العام لا يعكس تجميدًا للملف، بل تأكيدًا على الاستمرار في البحث عن صيغة متوازنة قابلة للمرور داخل مجلس النواب، عبر تقريب وجهات النظر بين الكتل حول البنود والتفاصيل.
وأشار، عبر منصّة "بالعربي"، إلى أنه تم تسجيل بعض الملاحظات خلال النقاشات في اللجان المشتركة، وجرى التوصل إلى تفاهمات حول تعديل عددٍ من المواد في الهيئة العامة، بما يراعي الهواجس المختلفة ويحافظ، في الوقت نفسه، على الهدف الأساسي من القانون، وهو رفع الظلم عن الموقوفين، ولا سيما الإسلاميين منهم.
وفي ما يتعلق بمضمون الصيغة التي نوقشت في اللجان، لفت الحشيمي إلى أنها تناولت، بشكلٍ واسع، مختلف الملفات، من خلال تخفيض العقوبات ومعالجة أوضاع موقوفين أمضوا سنوات طويلة في السجون، إضافةً إلى نقاش تفصيلي شمل أحكام المؤبد والإعدام وبعض الجرائم المرتبطة بأمن الدولة، ولا سيما المصنفة تحت بند الإرهاب.
وأوضح أنه تم إدراج استثناءات تتعلق بالجرائم الكبرى والحساسة، بهدف تحقيق توازن بين البعد الإنساني ومتطلبات العدالة والأمن، وهو ما جعل النقاش طويلًا وممتدًّا على ثلاث جلسات.
وأضاف أن بعض المواد ما زالت موضع ملاحظات واعتراضات، وتحتاج إلى إعادة صياغة للحد من الثغرات القانونية، بما يساهم في الوصول إلى قانون أكثر توازنًا يحقق حدًا أدنى من التوافق الوطني، مشيرًا إلى أن الانتقال من اللجان المشتركة إلى الهيئة العامة لا يعني انتهاء النقاش، بل انتقاله إلى مرحلة جديدة تترافق مع اتصالات بين الكتل للوصول إلى صيغة قابلة للإقرار.
وفي ما يخص الانقسام حول العفو الشامل، شدد الحشيمي على أن أي قانون عفو يمر عادةً بجدل بين مؤيد ومعارض، إلا أن الإشكال يظهر عندما تعتبر بعض الأطراف أن الصيغة لا تحقق العدالة الكاملة من وجهة نظرها، ما يؤدي إلى اعتراضات على بعض البنود.
وقال إن هناك حاجة لإعادة النظر ببعض المواد لتقليص الثغرات، بما يضمن عدم الإضرار بالقانون ويحقق التوازن المطلوب بين العدالة والهدف الإنساني، المتمثل بتخفيف الاكتظاظ وإعطاء فرصة للموقوفين.
وأشار إلى وجود أزمة حقيقية مرتبطة بتأخر المحاكمات وانتظار الأحكام النهائية، إلى جانب أزمة إنسانية داخل السجون، لافتًا إلى ضرورة عدم الإيحاء بأن العدالة تم التراجع عنها أو أن الجرائم الخطيرة باتت بلا محاسبة.
وأضاف أن القانون يسعى إلى صيغة متوازنة تخفف الظلم وتحد من الاكتظاظ، وتفتح باب الأمل أمام آلاف العائلات، من دون المساس بهيبة الدولة أو مفهوم العدالة.
وختم الحشيمي بالتأكيد على أن هناك نية جدية للوصول إلى تسوية، وهو ما يظهر من خلال استمرار النقاشات لأسابيع داخل المجلس، مشيرًا إلى دور رئيس مجلس النواب نبيه بري ونائب رئيس المجلس الياس أبو صعب في إدارة الجلسات ومحاولة تقريب وجهات النظر.
وقال إن استمرار البحث وعدم إسقاط القانون يعكسان وجود إرادة سياسية لإيجاد مخرج، عبر اتصالات بين الكتل قبل الوصول إلى الهيئة العامة، بهدف تحسين الصيغة والوصول إلى قانون يحظى بأوسع توافق ممكن.
وأضاف أن التعامل مع الملف يتم من منطلق إنساني وقانوني ووطني، في ظل وجود آلاف الموقوفين داخل السجون، ما يستدعي، برأيه، قانونًا عادلًا ومتوازنًا يحقق هذه الغاية من دون المساس بالدولة أو القرار القضائي، مع التشديد على أهمية استمرار الحوار بين الكتل، ولا سيما النواب المعنيين، للوصول إلى صيغة نهائية قابلة للإقرار.
وعليه، يبقى العفو العام، وعلى الرغم من الحديث عن التوصل إلى صيغةٍ نهائية، أمام مفترقٍ دقيق بانتظار ما ستفضي إليه النقاشات القادمة.