شملت الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، بحث جملة من المواضيع والملفات التي تهم البلدين، من بينها مطالبة الجانب السوري لبنان بتسليم أكثر من مئة ضابط ومسؤول من فلول نظام الأسد السابق، الموجودون على الأراضي اللبنانية بعد فرارهم إليها عقب سقوط النظام. وقد لاقى هذا الملف تجاوبا من الجانب اللبناني، الذي وعد بتسليم هؤلاء بعد إعداد اتفاقية مشتركة عبر وزارتي العدل والداخلية في البلدين.
إلا أن السؤال الذي يطرح بجدية هو: إلى أي مدى يستطيع لبنان الإيفاء بتعهداته في هذا الصدد، لا سيما في ظل احتمال لجوء الدولة العميقة، التي لا تزال إلى حد كبير تمسك بمفاصل القرار الداخلي اللبناني، بما في ذلك القرارات القضائية والأمنية، إلى عرقلة هذا المسار؟ وما التداعيات المحتملة لرفض تسليم فلول نظام الأسد من قبل الجهات التي توفر لهم الحماية في لبنان إلى الجانب السوري؟ وإلى أي مدى يمكن أن ينعكس ذلك على العلاقات التي تبنى اليوم، على أسس مختلفة عما كان سائدا سابقا، بين لبنان وسوريا؟
في هذا الإطار، أوضح النائب السابق الدكتور مصطفى علوش أن الحليف الأساسي للنظام السوري السابق، أي حزب الله، هو الجهة التي تؤمن الحماية لهؤلاء الأشخاص، متحدثا عن احتمال وجود دعم أيضا من حركة أمل، والحزب السوري القومي الاجتماعي، إضافة إلى حزب البعث السوري.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي": هناك أيضا عوامل اجتماعية وعائلية تلعب دورا في هذا الملف، لا سيما وأن عددا كبيرا من أبناء الطائفة العلوية الموجودين في لبنان تعود أصولهم إلى سوريا، لافتا إلى أن هناك مناطق وقرى ذات غالبية علوية في لبنان، مثل جبل محسن، إلى جانب قرى أخرى في عكار. واعتبر أن الحماية المتبقية لهؤلاء الضباط والمسؤولين تأتي إما من الأحزاب المذكورة أو من بعض التجمعات السكانية المرتبطة بهم.
وأشار علوش إلى أن الدولة اللبنانية، ومن منطلق الحرص على إقامة علاقات جدية ومتوازنة مع سوريا الجديدة، يفترض أن تتجه نحو تسليم المطلوبين، إلا أن عملية التسليم يجب أن تستند إلى الشرعية الدولية، وأن تحصل ضمن ضمانات واضحة تكفل عدم تعرض هؤلاء لأي انتهاكات خارج إطار العدالة، لافتا إلى أن المحادثات الأخيرة شهدت بحثا في آلية التسليم، وأنه اتُفق على إعداد اتفاقية مشتركة بين لبنان وسوريا عبر وزارتي العدل والداخلية في البلدين.
ورأى أن الأمور قد تصل إلى خواتيمها وتنفّذ عمليات التسليم، شرط أن تستند أي مذكرات أو إجراءات تصدر عن وزارتي الداخلية أو العدل إلى القوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة.
وفي ما يتعلق بالمطلوبين الموجودين داخل لبنان، أوضح علوش أن قسما منهم موجود لدى الدولة اللبنانية، إلا أنهم ليسوا بالضرورة ضباطا سوريين، بل قد يكون بعضهم موقوفا لأسباب أخرى. أما بالنسبة إلى الضباط السوريين التابعين للنظام السابق، فأكد أنه لا يمكن الجزم بأنهم باتوا في قبضة الدولة اللبنانية، مشيرا إلى أن الأجهزة الأمنية، ومنها مخابرات الجيش وشعبة المعلومات وأمن الدولة، مطالبة بالتحقيق حول أماكن وجودهم والعمل على توقيفهم. ورجح أن أحدا منهم ليس حاليا في عهدة الدولة.
وحول احتمال أن تعرقل ما وصفها بـ "الدولة العميقة" داخل لبنان أي مسار لتسليم المطلوبين إلى سوريا الجديدة، فاعتبر أن الأمر قد ينعكس سلبا على مسار إعادة التواصل بين بيروت ودمشق، مؤكدا أن هذا الملف بُحث بشكل واضح خلال اللقاءات الأخيرة.
وأشار علوش إلى أن الدولة اللبنانية في المرحلة الحالية قد لا تكون قادرة بالكامل على تنفيذ هذه الخطوات بسبب استمرار تأثير "الدولة العميقة القديمة"، لافتا، في المقابل، إلى أن هذا الواقع قد يتغير لاحقا مع تراجع نفوذها، بما يسمح للدولة بممارسة صلاحياتها واتخاذ قراراتها بحرية أكبر.
وعليه، وفي ظل الانقسام العمودي الذي يعيشه لبنان، لا سيما على خلفية ملف سلاح حزب الله، فإن بقاء فلول النظام السوري السابق على الأراضي اللبنانية لا يضيف سوى عنصر توتر وخطر جديد إلى الداخل اللبناني الهش أصلا، بما قد يحمله ذلك من تداعيات أمنية وسياسية تزيد من تعقيد المشهد الداخلي. ومن هنا، تبدو الدولة اللبنانية أمام مسؤولية جدية لإثبات التزامها بتنفيذ ما تعهدت به في إطار فتح صفحة جديدة مع سوريا، بما يسهم في تحسين العلاقات بين البلدين على أسس واضحة ومتوازنة، ويخدم قبل كل شيء مصلحة لبنان واستقراره الداخلي.