May 20, 2026   Beirut  °C
سياسة

سعد الياس: نجاح الهدنة مرتبط بحل مسألة سلاح حزب الله

أما وقد انتهت الجولة الثالثة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، والتي أفضت إلى تمديد وقف إطلاق النار 45 يومًا إضافيًا من دون تثبيته بصورة نهائية، بانتظار استئناف المحادثات في الثاني والثالث من حزيران المقبل، تتجه الأنظار إلى مدى واقعية الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالجولة الأخيرة، بعدما نُقل عن مسؤول أميركي قوله إن المحادثات "فاقت التوقعات".

غير أن هذا التفاؤل يصطدم بتجارب سابقة، وتحديدًا ما أعقب هدنة عام 2024 وعمل لجنة "الميكانيزم"، من دون نجاح فعلي في تثبيت الاستقرار. كما يبرز موقف حزب الله الرافض لأي بحث في سلاحه، مقابل شكوك واسعة حول التزام إسرائيل بأي هدنة جديدة، بعدما واصلت عملياتها العسكرية في الجنوب رغم الاتفاق السابق.

ولعل جلسة الجمعة خير دليل، إذ ترافقت مع توسيع الإنذارات الإسرائيلية إلى مدينة صور، واستمرار الغارات على المناطق الجنوبية. فهل تختلف هذه الهدنة عن سابقاتها؟ وماذا يقصد رئيس مجلس النواب نبيه بري، بحسب ما نُقل عنه، بقوله: "أعطونا وقفًا دائمًا لإطلاق النار وخذوا ما يدهش المفاوضين"؟ وهل يحمل بري بالفعل مفاجأة قد تخرج عن كل التوقعات وتبدل مسار التفاوض؟


وفي قراءة لنتائج الجلستين الأخيرتين بين لبنان وإسرائيل، أكد الكاتب والمحلل السياسي الصحافي سعد الياس أنه لا بديل عن خيار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، لأن البديل الوحيد هو استمرار الحرب والقتل والتدمير والتهجير.


ورأى، عبر منصة "بالعربي"، أن التطورات الميدانية أثبتت سقوط الشعارات التي رفعها حزب الله خلال السنوات الماضية، من قبيل "نحمي ونبني"، معتبرًا أن السلاح لم يؤد إلى حماية لبنان ولا إلى بنائه، بل قاد إلى نزوح كثيف من الجنوب والضاحية الجنوبية، إضافة إلى آلاف القتلى والجرحى، وأكثر من مليون نازح يعيشون تداعيات الحرب والانهيار.


وأشار إلى أن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يرفض العودة إلى مرحلة ما قبل الثاني من آذار، إلا أن الوقائع الميدانية، بحسب الياس، تُظهر أن الوضع السابق كان أقل سوءًا من الواقع الحالي، خصوصًا إذا كان المقصود التخلي عن "الصبر الاستراتيجي" والعودة إلى إطلاق الصواريخ والطائرات الانقضاضية، وهو أمر لا يحقق أي توازن عسكري، بل أدى إلى اتساع دائرة الدمار لتشمل عشرات القرى والبلدات الجنوبية.


وأكد الياس أن المفاوضات تشهد تقدمًا ملموسًا، كما أعلن الوفد اللبناني المفاوض في بيانه الأخير، لافتًا إلى أن ما نُقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري بشأن قوله: "أعطونا وقفًا دائمًا لإطلاق النار وخذوا ما يدهش المفاوضين"، لم يصدر بشأنه أي تأكيد رسمي واضح من عين التينة، رغم تداوله إعلاميًا على نطاق واسع.


وأوضح أن المؤكد حتى الآن هو مطالبة بري بوقف دائم لإطلاق النار، أما عبارة "ما يدهش المفاوضين"، فربما تكون مستوحاة من الموقف الشهير للرئيس الأسبق أمين الجميل حين قال: "أعطونا السلام وخذوا ما يدهش العالم".


ورأى الياس أن المقصود بما "يدهش العالم" قد يكون فتح الباب أمام نقاش جدي حول سلاح حزب الله، باعتبار أن هذا السلاح يشكل، بحسب تعبيره، العقدة الأساسية أمام نجاح المفاوضات، وعودة السيادة الكاملة للدولة اللبنانية، واستعادة الاستقرار، وعودة النازحين، والانطلاق بورشة إعادة الإعمار.


وأضاف أن الحديث عن استعداد حزب الله للحوار حول السلاح ليس جديدًا، إذ شهد لبنان سابقًا العديد من طاولات الحوار والتشاور، وصولًا إلى "إعلان بعبدا"، إلا أن هذه المحطات انتهت، بحسب رأيه، بالفشل نتيجة انقلاب الحزب على التفاهمات والتعهدات السابقة.


واستعاد، في هذا السياق، محطات سياسية سابقة، مشيرًا إلى أن الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله كان قد قدم تطمينات للرئيس فؤاد السنيورة قبل حرب تموز 2006، لكن عملية خطف الجنود الإسرائيليين أدت إلى اندلاع الحرب، معتبرًا أن الأمر تكرر لاحقًا عندما جرى إبلاغ المسؤولين اللبنانيين بأن الحزب لن ينخرط في حرب إسناد لإيران، قبل أن يتدخل عسكريًا بشكل مباشر.


وأكد الياس دعمه لمسار التفاوض الذي يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون، إلى جانب دعمه لمواقف الحكومة اللبنانية في ما يتعلق باعتبار سلاح حزب الله خارج إطار الشرعية القانونية للدولة.


وفي ما يتعلق بتمديد الهدنة لمدة 45 يومًا إضافية حتى مطلع حزيران المقبل، رأى الياس أن هذه المهلة تهدف إلى إفساح المجال أمام تشكيل آلية تحقق ومراقبة موسعة، تقوم على تعاون بين الجيش اللبناني والجانب الأميركي، وربما الإسرائيلي، بهدف تعزيز قدرة الجيش على رصد مخازن السلاح التابعة لحزب الله والعمل على تفكيكها.


وأشار إلى أن تجربة جنوب الليطاني لم تحقق النتائج المرجوة سابقًا، لذلك يجري العمل حاليًا على تطوير آليات أكثر فاعلية لمراقبة تنفيذ الالتزامات الأمنية. واعتبر أن نجاح الجيش اللبناني في إثبات جدية هذه المهمة قد يفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار والبدء بمسار إعادة الإعمار، أما الفشل فقد يؤدي إلى عودة إسرائيل إلى التصعيد العسكري واستكمال عملياتها ضد حزب الله.


وختم الياس بالتأكيد أن مستقبل الاستقرار في لبنان بات مرتبطًا بشكل مباشر بحل مسألة سلاح حزب الله، معتبرًا أن إسرائيل تربط انسحابها الكامل من الجنوب وعودة النازحين وإطلاق عملية إعادة الإعمار بمعالجة هذا الملف. وحذر من أن أي تسوية لا تتضمن حلًا واضحًا لهذه القضية ستبقى معرضة للانهيار في أي لحظة.


ويبقى نجاح هدنة الـ45 يومًا مرهونًا بمدى التزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها العسكرية وخروقاتها اليومية للسيادة اللبنانية عبر الاستهدافات المتواصلة. وفي المقابل، على حزب الله أن يدرك خطورة المرحلة، وأن يتحلى بقدر كبير من المسؤولية، وأن يقتنع بأن سلاحه لم يعد قادرًا على حماية لبنان واللبنانيين، وأن تكون الدولة مرجعيته وملاذه الأول والأخير.