ليست المرة الأولى التي يدخل فيها لبنان وإسرائيل في مسار تفاوضي، فمنذ قيام دولة إسرائيل برز سجل طويل من الحروب والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، ومن الاجتياحات لحدوده الدولية والاعتداء على سيادته الوطنية.
فترة الصراع الطويلة بين البلدين بدأت منذ العام 1948 وصولا إلى يومنا هذا، ولم ينفصل التفاوض بين الطرفين عن وقع الحروب والتوترات الأمنية والضغوط الدولية، إذ شهدت العلاقة بينهما محطات تفاوضية عدة تراوحت بين المباشر وغير المباشر، من اتفاقيات الهدنة إلى التفاهمات الأمنية وترسيم الحدود البحرية، وصولا إلى المفاوضات المباشرة الحالية تحت رعاية أميركية.
فما هي أبرز محطات التفاوض بين لبنان وإسرائيل؟ وما الذي تغير بين اتفاقيات الأمس ومفاوضات اليوم؟
اتفاقية الهدنة في العام 1949:
مع إعلان قيام دولة إسرائيل في 15 أيار 1948، اندلع أول صراع عربي إسرائيلي، ودخلت خمس دول عربية (لبنان ومصر وسوريا والأردن والعراق) في حرب مع الدولة الجديدة بعد رفض خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية التي أقرت في تشرين الثاني 1947.
وبعد انتهاء المعارك وقعت أول اتفاقية هدنة في العام 1949 بين إسرائيل والدول المجاورة، من ضمنها لبنان الذي وقع الاتفاقية في رأس الناقورة في 23 آذار من العام نفسه.
وفي حرب الستة أيام التي اندلعت في حزيران 1967 بين هذه الدول العربية وإسرائيل، نقضت الأخيرة اتفاق الهدنة، وبدأت بالتمدد باتجاه مزارع شبعا وقضم الأراضي اللبنانية، مع العلم أن لبنان لم يشارك في هذه الحرب واستمر في تمسكه بالاتفاق الموقع.
لتنطلق بعدها العمليات الفدائية من لبنان في العام 1968.
ومع توقيع لبنان اتفاقية القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969، التي لحظت السماح للمقاومة الفلسطينية بالعمل العسكري ضد إسرائيل من مناطق محددة في الجنوب اللبناني، اتهمت إسرائيل لبنان بخرق اتفاق الهدنة ما أدى إلى تفجير الوضع.
اتفاقية 1978:
في آذار 1978، شهد جنوب لبنان تطورات عسكرية مهمة تمثلت في الاجتياح الإسرائيلي المعروف بـ"عملية الليطاني" الذي استهدف إبعاد المقاتلين الفلسطينيين عن الحدود الشمالية لإسرائيل. ردا على ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي القرارين 425 و426 في 19 آذار 1978، اللذين أسفرا عن دعوة إسرائيل للانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لتأكيد الانسحاب واستعادة السلام والأمن الدوليين.
اتفاقية السلام 1983:
في السادس من حزيران 1982، اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان في عملية أطلقت عليها تسمية "سلام الجليل"، وكانت تهدف إلى طرد المقاتلين الفلسطينيين، ولكنها انتهت إلى احتلال دام نحو 18 عاما. وفي 17 أيار 1983، وقع لبنان وإسرائيل اتفاقا نص على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وبعد مفاوضات مباشرة استمرت أربعة أشهر ونصف برعاية الولايات المتحدة، تم التوصل إلى هذه الاتفاقية، إلا أنها ألغيت في آذار 1984 وذلك بعد أقل من عام من توقيعها، بعدما واجه الاتفاق رفضا شعبيا وسياسيا واسعا.
مفاوضات واشنطن 1991-1993:
في نهاية العام 1991، انطلقت مفاوضات ثنائية بين إسرائيل من جهة وسوريا ولبنان والأردن ووفد فلسطيني على التوالي، في أعقاب المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط الذي عقد في مدريد.وعقدت عشر جلسات تفاوض ثنائية في واشنطن على مدى عشرين شهرا حتى العام 1993، من دون تحقيق نتائج.
تفاهم نيسان 1996:
في نيسان 1996 شنت إسرائيل عملية واسعة باتجاه لبنان تحت عنوان "عناقيد الغضب" بهدف ضرب قدرات "حزب الله" العسكرية، لكن القصف الإسرائيلي على مقر للأمم المتحدة في قانا، الذي أدى إلى مقتل أكثر من 100 مدني، أثار موجة استنكار دولية، ما دفع الولايات المتحدة وفرنسا إلى رعاية الاتفاق الذي عرف بـ "تفاهم نيسان"، الذي أنهى الحرب آنذاك ضمن شروط واتفاقيات تلزم الطرفين بعدم استهداف المدنيين مع الاحتفاظ بحق المقاومة في مواجهة الاحتلال دون التعرض للمستوطنات. وأنشئت لجنة مراقبة لمتابعة تنفيذ التفاهم.
هذا التفاهم لم يمنع المواجهة العسكرية ولكنه ساهم إلى حد كبير في تقليل استهداف المدنيين، ومهد الطريق لانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000.
قرار الأمم المتحدة 1701 في العام 2006:
في تموز 2006 اندلعت الحرب بين حزب الله وإسرائيل، التي استمرت نحو 34 يوما، قبل أن تتدخل الأمم المتحدة لوقف الحرب عبر إصدار القرار الدولي رقم 1701، الذي نص على وقف الأعمال العدائية بين الجانبين، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وتوسيع مهمة اليونيفيل في مراقبة الوضع على الحدود، ومنع أي قوات غير الجيش اللبناني من حمل السلاح جنوب نهر الليطاني.
لكن طرفي النزاع لم يلتزما بهذا القرار إذ استمرت العمليات العسكرية بعد صدوره على مدى السنوات الأخيرة وسجلت عدة خروقات بين الجانبين.
اتفاق لترسيم الحدود البحرية 2022:
بعد سنوات من التفاوض بوساطة أميركية، أعلن لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الأول 2022 التوصل إلى اتفاق تم بموجبه ترسيم حدودهما البحرية ووضع حد للنزاع، وفتح المجال لاستغلال الموارد الطبيعية المتنازع عليها.
ومن الجدير بالذكر أنه لم تجر أي اتصالات مباشرة بين الطرفين آنذاك بل وجهت رسائل غير مباشرة عبر وساطة أميركية.
اتفاق وقف إطلاق النار 2024:
بعد انطلاق عملية "طوفان الأقصى" في 8 تشرين الأول 2023، أعلن حزب الله انطلاقه بعملية إسناد غزة وذلك بعد يوم واحد حيث اندلعت المواجهات بينه وبين إسرائيل وشهدت الحدود اللبنانية تصعيدا غير مسبوق، مما أدى إلى تدخل الولايات المتحدة وفرنسا للتوسط في اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.
ونص الاتفاق على انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض المواقع المحتلة في الجنوب اللبناني، ومن جانبه تعهد "حزب الله" بتفكيك وجوده العسكري قرب الحدود، تحديدا في منطقة جنوب نهر الليطاني، فضلا عن بسط سلطة الجيش اللبناني بالكامل بالتعاون مع قوات "اليونيفيل" جنوب نهر الليطاني، والتزام الطرفين بعدم القيام بأي عمليات عدائية.
لكن هذا الاتفاق بقي هشا وسط خروقات استمرت لأشهر، لينهار الاتفاق كليا بعد إطلاق ستة صواريخ من قبل حزب الله باتجاه إسرائيل تحت عنوان "الثأر للخامنئي".
وبعد مواجهات عنيفة، وتصعيد لا يزال مستمرا حتى اليوم، أعلنت الدولة اللبنانية انطلاق عملية التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل تحت رعاية أميركية.
أسفرت هذه المفاوضات عن التوصل إلى هدنة مؤقتة، ولكنها لحد الآن تبقى هشة مع استمرار التصعيد والمواجهات بين الطرفين على الحدود الجنوبية، عدا عن الاستهدافات المتكررة التي تطال مناطق لبنانية عدة.
ختاما، ومع دخول المفاوضات جولة جديدة يبقى المشهد اللبناني مفتوحا على مزيد من الضبابية، لا سيما في ظل التباعد الواضح بين الطرفين حيال الشروط والطلبات المطروحة على طاولة التفاوض، وسط ترقب لما قد تحمله المرحلة المقبلة من تصعيد أو انفراج.