بعد أكثر من أربعة عقود على بدء التغلغل الإيراني في لبنان عبر الحرس الثوري، وصولًا إلى مرحلة إحكام القبضة على القرار الداخلي اللبناني خلال السنوات الأخيرة من خلال ذراع طهران المتمثل بحزب الله، والذي أدخل البلاد في حروب مدمرة، وعزلها عن محيطها العربي، وأضر بعلاقاتها الدولية، يبدو أن الدولة اللبنانية بدأت تخوض مواجهة سياسية وسيادية غير مسبوقة في وجه الهيمنة الإيرانية.
ففي خطوة تحمل أبعادًا مفصلية، جرى تداول خبر، الأربعاء، يفيد بأن وزارة الخارجية تقدمت بشكوى رسمية باسم لبنان إلى الأمم المتحدة ضد إيران، متهمة إياها بخرق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، والتدخل في القرار السيادي اللبناني، إضافة إلى توريط البلاد في نزاعات وحروب مدمرة خلافًا لإرادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. إلا أن الوزارة أصدرت بيانًا في وقت لاحق من اليوم نفسه، أوضحت فيه أن لبنان "لم يتقدم بشكوى ضد إيران أمام مجلس الأمن، بل قدم ردودًا على رسائل كانت إيران قد رفعتها إلى مجلس الأمن".
في مطلق الأحوال، فإن الرد اللبناني على الرسائل الإيرانية أعاد إلى شريحة واسعة من اللبنانيين جزءًا من الثقة بإمكان استعادة الدولة لهيبتها ودورها، عبر تثبيت مبدأ أن القرار الوطني يجب أن يصدر حصرًا عن المؤسسات الدستورية اللبنانية، بعيدًا عن أي وصاية أو نفوذ خارجي. فلبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة نتيجة صراعات الآخرين على أرضه، أمام فرصة لإعادة التأكيد على سيادته الكاملة، وأن قراره الوطني يُصنع في بيروت وحدها، لا في طهران ولا في تل أبيب ولا في أي عاصمة أخرى.
وفي معرض تعليقه على تلك التطورات، أكد الكاتب السياسي الصحافي جورج العاقوري أن ما أقدمت عليه وزارة الخارجية من خلال الرد على الرسائل الإيرانية يوازي في المضمون موضوع الشكوى، وهي خطوة تُسجل للوزير جو رجي، إذ إن تلك الردود تطرقت إلى ملف السفير الإيراني وتدخل طهران في الشؤون الداخلية اللبنانية.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن مبدأ السيادة لا يميز بين دولة وأخرى، فكل جهة تنتهك سيادة لبنان تُعد معتدية على الدولة اللبنانية، سواء كانت إيران أو إسرائيل.
وأضاف أن لبنان تقدم أيضًا، خلال الأشهر الماضية، بعدد من الشكاوى ضد إسرائيل، وبالتالي فإن تقديم رد أو شكوى بحق إيران لا يلغي أو يخفف من الاعتراض على الانتهاكات الإسرائيلية، بل يأتي ضمن مبدأ واحد يقوم على حماية سيادة الدولة اللبنانية من أي تدخل خارجي.
ورأى أن بعض الأصوات التي تحاول تصوير الخطوة وكأنها استهداف سياسي لفريق معين، تتجاهل أن أي اعتراض فعلي على القرار يجب أن يُترجم دستوريًا داخل المؤسسات، سواء عبر مساءلة الحكومة، أو طرح الثقة بها، أو انسحاب الوزراء المعترضين منها، أو حتى عبر فتح نقاش داخل مجلس النواب.
وانتقد، في هذا السياق، تعطل المجلس النيابي وعدم انعقاد جلسات مخصصة لبحث مسألة الحرب وانعكاساتها على لبنان، معتبرًا أنه من البديهي، عندما يدخل بلد في حرب، أن يُطرح الأمر للنقاش داخل البرلمان.
وأشار العاقوري إلى أن جزءًا من الردود اللبنانية يستند إلى مخالفة إيران للأعراف والقوانين الدولية، ولا سيما اتفاقية فيينا الخاصة بالعلاقات الدبلوماسية، معتبرًا أن السلوك الإيراني في لبنان يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية. وأشار، في هذا الإطار، إلى تحدي السفير الإيراني لقرار الدولة اللبنانية القاضي برفض أوراق اعتماده. وقال إن التواصل الإيراني الرسمي يكاد ينحصر برئيس مجلس النواب نبيه بري، الأمر الذي يعكس، بحسب رأيه، إصرارًا على مقاربة لبنان من زاوية مذهبية وسياسية ضيقة، وعلى حساب مفهوم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.
وفي ما يتعلق بنتائج تلك الردود، أوضح العاقوري أنه ليس من الضروري أن تؤدي فورًا إلى وقف التدخل الإيراني في لبنان، إلا أنها قد تؤسس لمسار قانوني وسياسي مستقبلي يسمح للبنان بالمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت به نتيجة الصراعات والحروب.
واعتبر أن إيران وإسرائيل تتحملان مسؤولية مباشرة عن جزء كبير من الخراب الذي يعيشه لبنان، ومن حق اللبنانيين المطالبة بالتعويض بدلًا من تحميل المواطنين أعباء إعادة الإعمار، من خلال تكبيد الدولة خسائر إضافية، في وقت لا تزال فيه أموالهم محتجزة في المصارف، فيما الأزمة الاقتصادية مستمرة.
وختم محذرًا من محاولات تحويل الاستثمارات المخصصة للبنان نحو ملفات طارئة مرتبطة بالحرب والنزوح وإعادة الإعمار، معتبرًا أن لبنان لا يستطيع تحمل مزيد من المديونية إلا ضمن مشاريع استثمارية حقيقية تعيد تنشيط الاقتصاد وتدعم مؤسسات الدولة.
وعليه، لم يعد مقبولًا أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لا سيما الإيرانية، أو رهينة لمشاريع الخارج. وما قامت به الدولة اللبنانية اليوم ليس مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل إعلان واضح بأن زمن وضع اليد على القرار اللبناني يجب أن ينتهي. فإما دولة سيدة حرة تستعيد قرارها وهيبتها، وإما استمرار الانهيار تحت وطأة الوصايات والحروب العبثية التي لم تجلب للبنانيين سوى الخراب والعزلة.