May 13, 2026   Beirut  °C
سياسة

جورج شاهين: لبنان لم يدخل بعد مرحلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل

مع اقتراب انعقاد اللقاء الثالث في واشنطن يومي الخميس والجمعة المقبلين، ضمن ما يُطرح من مباحثات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يتجه هذا المسار نحو مزيد من التبلور، خاصةً بعد رفع مستوى التمثيل من سفراء إلى وفود مدنية وعسكرية.

وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات حول موقع لبنان بين من يرى أنه يتحرك من موقع ضعف تحت الضغوط، ومن يعتبر أن إسرائيل تواصل التفاوض من موقع ضغط وتحت النار، فيما يتمسك الجانب اللبناني بأن تكون المفاوضات بعيدة عن التصعيد العسكري، مقابل استمرار إسرائيل في مقاربة الملف بالتوازي مع العمليات، وتشديدها على ملف نزع سلاح حزب الله. وأمام ذلك، يبقى السؤال الشاغل: إلى أين يتجه هذا المسار، وما الذي يمكن أن يحصل عليه لبنان من خلال هذه المباحثات؟

في هذا الإطار، أكد الصحافي جورج شاهين أن لبنان لم يدخل بعد فعليًا في مرحلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بل ما زال في مرحلة تمهيدية وتحضيرية ضمن ما يُعرف بـ"طاولة واشنطن 3"، في إشارة إلى انتقال الملف إلى محطة ثالثة من الاجتماعات في العاصمة الأميركية.


ولفت، عبر منصة"بالعربي"، إلى أن هذا المسار جاء استنادًا إلى دعوة الولايات المتحدة للبنان، وعلى خلفية العناوين الأربعة التي طرحها رئيس الجمهورية جوزاف عون في مبادرته، والتي أعاد التأكيد عليها خلال اجتماع الاتحاد الأوروبي في قبرص، بحضور 14 دولة عربية ومتوسطية. إلا أنه شدد على أنه حتى الآن لم يتم أي تبادل لوثائق أو اقتراحات عملية مرتبطة بورقة العمل اللبنانية، ما يعني أن المرحلة لا تزال تمهيدية، ولم تُستكمل شروط الانتقال إلى مفاوضات فعلية.


وأشار شاهين إلى أن رفع مستوى التمثيل من سفراء إلى مدنيين وعسكريين يُعد مؤشرًا مهمًا، لكنه غير مكتمل، خصوصًا أن لبنان ينتظر ما ستؤول إليه المرحلة التالية، في ظل اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار الممدد في 17 أيار، بالتزامن مع انعقاد طاولة المفاوضات في 14 و15 من الشهر نفسه، ما يضع الملف أمام استحقاق زمني حساس.


واعتبر أن لبنان لا يمكنه الذهاب إلى أي مفاوضات فعلية قبل تثبيت وقف إطلاق نار شامل، مستعيدًا تجارب سابقة أظهرت أن أي تقدم كان مرتبطًا بتفاهمات ميدانية لم تكتمل بالكامل، سواء لجهة الانسحاب الإسرائيلي أو بسط الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على الجنوب.


وفي ما يتعلق بالقراءة التي تقول إن لبنان يتجه إلى التفاوض من موقع ضعف، أوضح شاهين أن هذا التوصيف يُطرح داخليًا بفعل تعقيدات ملف سلاح حزب الله والانقسام حوله، إلا أن المقاربة الدولية تختلف، إذ تعتبر أن لبنان حاضر على الطاولة من موقع الندية، خاصةً أنه لم يتراجع عن القرارات التي تبنّتها الحكومة في الأشهر الأخيرة، والتي وصفت الجناح العسكري لحزب الله بأنه خارج إطار الشرعية اللبنانية.


وأضاف أن مسألة "ورقة الضعف" أو "ورقة القوة" تبقى مرتبطة بكيفية إدارة ملف السلاح، مشيرًا إلى أن التطورات الميدانية منذ حرب الإسناد على غزة أدت إلى توسع رقعة التوتر وازدياد عدد النقاط المتنازع عليها، وصولًا إلى واقع احتلال إسرائيلي لعدد من القرى المدمرة في الجنوب، ما يعكس تغيرًا في المشهد الحدودي.


أما عن إسرائيل، فرأى شاهين أنها لا تتجه نحو سلام فعلي شامل، بل نحو فرض ترتيبات وشروط أمنية، مشيرًا إلى أن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو إعلان إنهاء حالة العداء بين لبنان الرسمي وإسرائيل، مع التزام متبادل بعدم استخدام القوة، في إطار ترتيبات أمنية واضحة.


وفي ما يخص الملفات التفاوضية، رأى شاهين أن الحديث عن نتائج نهائية لا يزال مبكرًا، لأن أي تفاوض مع الجانب الإسرائيلي سيكون شاقًا وطويلًا، ويتطلب نفسًا طويلًا وصبرًا سياسيًا. واعتبر أن ملف الحدود أقل تعقيدًا نسبيًا، كونه مرسمًا بموجب اتفاقية الهدنة لعام 1949 والخطوط المعتمدة دوليًا منذ عام 1923، فيما تبقى الملفات الأكثر حساسية مرتبطة بالضمانات الأمنية، ومستقبل الجنوب، وإعادة الإعمار، إضافة إلى مسألة السلاح.


وأشار إلى أن أي مقاربة لمستقبل الجنوب ستكون مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الكاملة، موضحًا أن إنهاء حالة العداء وقيام الدولة بدورها قد يفتحان الباب أمام إعادة بناء الجنوب بقدرات لبنانية وبدعم عربي ودولي، لافتًا إلى حديث عن وعود أميركية بإنشاء صندوق خاص للبنان، إلى جانب تعهدات خليجية سابقة بالمساعدة.


وبين شاهين أن الظرف السياسي دقيق جدًا، ولذلك يخوض رئيس الجمهورية هذا المسار وسط محاذير متعددة، مع احتساب دقيق لنقاط القوة والضعف، فيما يبقى الرهان قائمًا على موقف أميركي جدي يؤمن ضمانة فعلية لرعاية مفاوضات تقوم على أسس واضحة، أبرزها إنهاء حالة الحرب والعداء، وتعهد متبادل بألا تتعرض دولة للأخرى.


ولفت إلى أن هناك ضغطًا دوليًا متزايدًا للدفع نحو تسوية في لبنان، مشيرًا إلى أن الحراك الدبلوماسي الأميركي الأخير يعكس اهتمامًا متقدمًا بهذا الملف. وأضاف أنه إذا أرادت الإدارة الأميركية، وخصوصًا الرئيس دونالد ترامب، تسجيل إنجاز سياسي جديد، فقد يشكل الملف اللبناني إحدى الساحات القابلة للتقدم.


وأشار إلى أن نجاح مسار واشنطن بات أكثر واقعية مقارنة بمسارات أخرى تعثرت أو لم تنطلق، في إشارة إلى فشل عقد "إسلام آباد 2" رغم جهود باكستان ووسطاء آخرين، فيما أصبح لبنان على أبواب "واشنطن 3". واعتبر أن الفصل تم بين المسارين اللبناني والإيراني، إلا أن ملف سلاح حزب الله سيبقى حاضرًا على طاولة البحث بشكل مباشر أو غير مباشر.


وختم بالتأكيد أن أي تفاهم أميركي ـ إيراني، أو أي تسوية إقليمية، قد يسحب ورقة حزب الله من التداول، ويختصر كثيرًا من العقبات، ويفتح الباب أمام انتظام القوى السياسية ضمن الدولة وتحقيق إجماع لبناني غير مسبوق.


وفي المحصلة، يبقى الترقب سيد الموقف لما ستؤول إليه مباحثات واشنطن يومي الخميس والجمعة، رغم أن ملامح الصورة تبدو أكثر وضوحًا لدى كثيرين من حيث تباين المواقف والشروط، ما يجعل هذا المسار مفتوحًا على احتمالات متعددة في المرحلة المقبلة.