مع تصاعد منسوب التصعيد العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان عبر استهداف المدن والقرى واتباع سياسة التدمير الممنهج وتهجير السكان، إضافة إلى الغارة الأخيرة التي استهدفت قائد وحدة الرضوان التابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية، تتجه الأنظار إلى الجلسة الثالثة من المحادثات التمهيدية بين لبنان وإسرائيل، المقرر عقدها الأسبوع المقبل في واشنطن برئاسة السفير سيمون كرم.
وفي ظل هذا التصعيد، يبرز التساؤل حول قدرة الوفد اللبناني على انتزاع موافقة أميركية لتمديد وقف إطلاق النار، ومستقبل تلك المحادثات وانعكاساتها على لبنان، خصوصا في حال تعثر المسار التفاوضي أو فشله.
في هذا السياق، قال الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور حارث سليمان إن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سواء في إيران أو لبنان، تقوم على مبدأ التصعيد وعدم الذهاب نحو وقف شامل لإطلاق النار، متحدثا عن وجود فارق واضح بين الموقف الأميركي تجاه إيران والموقف الأميركي تجاه لبنان.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الإدارة الأميركية تعتبر أن الملف النووي الإيراني يشكل أولوية استراتيجية يجب حسمها وإنهاؤها، وهو ما يتقاطع مع رغبة الحكومة الإسرائيلية بمنع إيران من امتلاك قدرة سريعة على إنتاج السلاح النووي. أما في لبنان، فأكد أن الفارق بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي أكبر بكثير، إذ إن إسرائيل تستهدف البيئة الاجتماعية والسكانية الحاضنة لحزب الله، من خلال عمليات تهجير جماعي وتدمير واسع للقرى والمباني المدنية.
وقال سليمان إن ما يحصل في الجنوب اللبناني يندرج ضمن جرائم حرب موصوفة، تتضمن استهداف المدنيين واستخدام القوة المفرطة من دون مبررات عسكرية واضحة، معتبرا أن إسرائيل تمارس انتهاكات صريحة للقانون الدولي الإنساني عبر تدمير الأبنية السكنية وسقوط ضحايا من الأطفال والنساء والمدنيين.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمنع إسرائيل من توسيع نطاق عملياتها العسكرية داخل بيروت والضاحية الجنوبية، لكنها تمنحها، وفق توصيفه، هامشا لتنفيذ عمليات اغتيال موضعية ضد قيادات بارزة في الحزب تحت عنوان "الدفاع عن النفس" بحسب المقاربة الأميركية.
وفي المقابل، رأى سليمان أن السياسة الأميركية لا تتوافق مع ما تقوم به إسرائيل في الجنوب من تهجير للسكان واقتلاع للقرى وتوسيع لما يعرف بالمنطقة العازلة، مشيرا إلى أن واشنطن حريصة على الوصول إلى تسوية تفضي إلى انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية بعد معالجة ملف حزب الله، مع ضمان إعادة إعمار القرى وعودة الأهالي إليها.
وشدد على أن لبنان سيطالب بوقف إطلاق النار وإدانة الانتهاكات الإسرائيلية، مؤكدا أن أي لقاء سياسي رفيع المستوى بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي لا يمكن أن يكون بداية لمسار التسوية، بل يجب أن يأتي تتويجا لاتفاق سياسي وأمني واضح.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات المرتقبة برئاسة السفير سيمون كرم للوفد اللبناني، توقع سليمان أن تتركز الجلسات المقبلة على وضع جدول أعمال شامل للقضايا الخلافية بين لبنان وإسرائيل، بما يتضمن ملفات الحدود البرية والبحرية، والمياه، وحقول الغاز، ومزارع شبعا، والترتيبات الأمنية، وملف اللاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى قضايا الأملاك الخاصة بين الجانبين.
وتحدث عن وجود أملاك تعود لمواطنين لبنانيين داخل إسرائيل، مقابل أملاك ليهود في لبنان، كاشفا أن الرهبانية المارونية اللبنانية تمتلك عقارات تاريخية في خليج حيفا. واعتبر أن كل هذه الملفات يجب أن تكون مطروحة ضمن أي مسار تفاوضي ينهي حالة الحرب القائمة.
كما أكد سليمان أن أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تكون متوازنة ومتبادلة، رافضا أن تفرض إسرائيل شروطا أحادية الجانب تحت ذريعة حماية أمنها القومي.
لم يستبعد سليمان احتمال حصول تصعيد عسكري جديد قد يطال الضاحية الجنوبية أو بيروت، خصوصا في حال استهدفت إسرائيل قيادات عسكرية بارزة في حزب الله، معتبرا أن هذا النوع من العمليات لا يزال يحظى بغطاء سياسي أميركي ضمن مفهوم "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس".
ويبقى نجاح تلك المحادثات مرهونا بمدى استعداد إسرائيل للتراجع عن بعض شروطها، وفي مقدمها القبول بتمديد وقف إطلاق النار، الذي يبدو حتى الآن حبرا على ورق في ظل استمرار الحرب والتصعيد في جنوب لبنان. وفي المقابل، يبرز تساؤل أساسي حول الجهة القادرة على ضمان التزام حزب الله بأي تمديد محتمل في حال توصل إليه. وبين التعقيدات الميدانية والحسابات السياسية، تبقى الأيام المقبلة كفيلة بكشف مسار هذه المفاوضات ونتائجها، وإن غدا لناظره قريب.