انطلاقًا من المواقف الأخيرة لرئيس الحكومة نواف سلام، التي شدد فيها على دور الدولة ومؤسساتها، وضرورة تثبيت منطق السيادة وبسط سلطة الشرعية، عاد النقاش الداخلي ليتصاعد حول قدرة السلطة التنفيذية على ترجمة هذا الخطاب إلى خطوات عملية، في ظل استمرار الانقسام السياسي والتوتر الأمني جنوبًا، إلى جانب تعقيدات المشهد الإقليمي المفتوح على احتمالات عدة. وفي وقت يعتبر فيه البعض أن هذا المسار يشكّل محاولة جدية لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، يرى آخرون أن الوقائع القائمة ما زالت تحدّ من فرص نجاحه. فهل سينجح رئيس الحكومة نواف سلام في تحويل خطاب الدولة إلى خطوات عملية تعيد تثبيت حضورها وسلطتها؟
في هذا الإطار، أكد الصحافي أسعد بشارة أن رئيس الحكومة نواف سلام يمثّل نموذج رجل الدولة، إذ يعمل وفق الدستور ومتطلبات سيادة لبنان واستقلاله، ويتعاطى بأسلوب ثابت وواضح في القضايا الوطنية.
واعتبر، عبر منصّة "بالعربي"، أن حزب الله يقود حملة تخوين واستهداف سياسي مستمرة بحق الرئيس سلام، إلا أنه لن يتمكن، بحسب رأيه، من تكرار تجربة السابع من أيار أو إسقاط الحكومة في الشارع، لأن تلك المرحلة انتهت ولن تعود.
وأشار بشارة إلى أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تسير على إيقاع اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، إلا أن المشهد اليوم تبدّل، معتبرًا أن حزب الله ربط مصيره بالكامل بإيران، ويواصل عملياته في الجنوب، وربما يستمر بذلك حتى في حال نجحت الدولة اللبنانية في إقرار هدنة أوضح من الهدنة الحالية. ورأى أن الجنوب سيبقى منطقة اشتباك مستمر، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
ولفت إلى أن الدولة اللبنانية تمتلك قوة الشرعية أولًا، كما تمتلك ورقة ثمينة جدًا تتمثل في إمكانية الوصول إلى تسوية نهائية مع إسرائيل، بما يعني انسحابها إلى ما وراء الخط الأزرق وضمان سيادة لبنان. واعتبر أن هذه الورقة يمكن أن تُقرأ بإيجابية داخل الإدارة الأميركية، ويستطيع لبنان الاستفادة منها، إلا أن حزب الله، وفق تعبيره، لا يسعى إلى استثمارها بل إلى تعطيلها من الأساس، محمّلًا الحزب مسؤولية أي حرب جديدة إذا تجدّد التصعيد.
وختم بشارة بالإشارة إلى أنه لا توجد تفاهمات داخلية فعلية حتى الآن، موضحًا أن تراجع رئيس مجلس النواب نبيه بري عن اللقاء الثلاثي في بعبدا يعود أولًا إلى أنه لا يملك ورقة سلاح حزب الله، وثانيًا لأنه لا يريد دفع أي ثمن مقابل خيار التفاوض الذي يعني وقف الحرب. واعتبر أن القرار بات لدى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في الاستمرار بالتفاوض المباشر، وتحقيق النتائج، وتحميل المسؤولية لمن يريد استمرار الحرب.
في المحصلة، يحاول رئيس الحكومة نواف سلام يحاول جاهدًا تكريس منطق الدولة وإعادة الاعتبار لدورها في مرحلة شديدة الحساسية، إلا أن نجاح هذا المسار لا يرتبط فقط بالمواقف والخطابات، بل بقدرته على تحويلها إلى خطوات عملية وسط شبكة معقدة من الانقسامات الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
وبين محاولات تثبيت خطاب الدولة من جهة، وتعقيدات الواقع اللبناني من جهة أخرى، يبقى هذا المسار مفتوحًا على أكثر من احتمال، بانتظار ما إذا كان سيُترجم إلى نتائج ملموسة على الأرض أم لا.