انطلاقا من تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان ذاهب نحو "السلام" وليس "التطبيع" في مقاربته للملف مع إسرائيل، تتبلور مواقف رسمية جديدة تعيد رسم حدود الخطاب السياسي حول هذا المسار.
وفي موازاة ذلك، برز تشديده على أن أي اجتماع رفيع المستوى مع الجانب الإسرائيلي يبقى "سابقا لأوانه"، بما في ذلك أي لقاء محتمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على أن يكون ذلك مرتبطا بتحقيق تقدم فعلي في المفاوضات وتثبيت وقف إطلاق النار كمدخل أساسي لأي مسار لاحق.
فهل تعكس هذه المواقف مقاربة تفاوضية جديدة تُعيد تنظيم شروط التعاطي الرسمي مع هذا الملف، أم أنها تبقى ضمن إطار ضبط سقف المرحلة الحالية؟
في هذا الإطار، رأى الرئيس التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط للسياسات المحامي نبيل الحلبي أن رئيس الحكومة نواف سلام يتمسّك بخيار المفاوضات والمسار الدبلوماسي كمدخل لوقف الضربات الإسرائيلية على لبنان وإنهاء وجودها داخله، معتبرا أن هذا المسار يُعد من الأعمال السيادية الأساسية التي يفترض أن تعود حصريا إلى الدولة اللبنانية، وألا تُدار بالنيابة عنها من أي طرف خارجي. وأشار، في هذا السياق، إلى أن هذا التوجه يضع مقاربة رئيس الحكومة في موقع تمايز عن بعض القوى السياسية، وفي مقدمها حزب الله وحلفاؤه، الذين يدفعون باتجاه مقاربة مختلفة تقوم على إسناد هذا الدور إلى إيران ضمن منظومة المحور الإقليمي في المنطقة.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن مواقف نواف سلام لم تأتِ بمعزل عن النقاش الداخلي حول مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، بل جاءت متوازية مع هذا العنوان، بحيث طرح مسارين متلازمين: مسار سياسي تفاوضي من جهة، ومسار داخلي يتعلق بتثبيت سلطة الدولة على كامل أراضيها من جهة أخرى، معتبرا أن هذا الربط يهدف إلى منع إسرائيل من استثمار الواقع الميداني وتحويل الأراضي اللبنانية المحتلة إلى منطقة عازلة، تحت ذريعة عجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها أو عدم قدرتها على معالجة ملف السلاح شمال الليطاني.
وفي الإطار نفسه، أشار الحلبي إلى أن لبنان الرسمي لم يكن أصلا صاحب قرار الدخول في الحرب لكي يكون طرفا مباشرا في إدارة نتائجها، ما يجعل أي حديث عن تسويات لاحقة مع إسرائيل مرتبطا بحكم مبدأ الالتزامات المتبادلة بين الأطراف، لافتا، في المقابل، إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، وفق قراءته، لا تُبدي مؤشرات جدية في اتجاه تسوية سياسية أو سلام فعلي، بل تتعامل مع الطرح القائم من زاوية استثمار سياسي يقوم على فكرة تطبيع شكلي، من شأنه أن ينعكس سلبا على الداخل اللبناني ويزيد من حدة الانقسام السياسي.
وتابع: هذا الواقع يصطدم أيضا بإشكالية داخلية لبنانية أساسية، تتمثل بعدم قدرة الدولة على تنفيذ كامل الشروط المطروحة دوليا، لا سيما المرتبطة بحصرية السلاح وسحب السلاح غير الشرعي، ما يجعل أي مسار تفاوضي محتمل عرضة للتعثر أو التعطّل عند أول اختبار جدي على أرض الواقع.
أما في ما يتعلق بالحديث عن لقاءات رفيعة أو مسارات تواصل مباشرة، فاعتبر الحلبي أن هذا الطرح يتعارض مع القاعدة المعروفة في العلاقات الدولية، والتي تفترض أن أي تطبيع لا يأتي إلا بعد تثبيت معاهدة سلام واضحة ومكتملة الشروط، مستشهدا، في هذا السياق، بتجارب دول إقليمية، من بينها مصر، حيث توصلت إلى سلام رسمي من دون أن ينعكس ذلك تطبيعا شاملا وكاملا في العلاقات.
ورأى أن المشهد اللبناني لا يزال منقسما بعمق حول مفهومي "السلام" و"التطبيع"، وهو انقسام لا يقتصر على الخطاب السياسي فحسب، بل ينعكس على طبيعة أي مسار تفاوضي محتمل، معتبرا أن المفاوضات لا تعطي أي بصيص أمل طالما أن وزراء الحكومة الإسرائيلية يتحدثون عن احتفاظهم بالأراضي اللبنانية التي يحتلونها، طالما أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تنفيذ بند حصرية السلاح وسحبه من حزب الله.
وعليه، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان هذا الخطاب يعكس بالفعل مسارا سياسيا جديدا قيد التبلور في مقاربة الدولة اللبنانية لهذا الملف، أم أنه يندرج ضمن إدارة حذرة للمرحلة الحالية في ظل التعقيدات السياسية والأمنية الداخلية، وما تفرضه من سقوف وضوابط على أي تحرك تفاوضي محتمل في المدى المنظور، في وقت ينظر فيه إلى هذا الطرح كمسعى لإعادة ضبط الإيقاع السياسي وتثبيت موقع الدولة في أي مسار تفاوضي مقبل.