في الوقت الذي يتكرر فيه الحديث عن تهدئة ومفاوضات ومحاولات لاحتواء التصعيد، يبقى المشهد الميداني في لبنان مفتوحا على وقائع مختلفة تماما، خصوصا في الجنوب حيث لا تزال الاعتداءات مستمرة، بما يجعل فكرة "الهدنة" غير مستقرة على أرض الواقع.
وبين خطاب يتحدث عن مسار سلام محتمل، وآخر يحذر من جولة جديدة وأكثر حدة من الحرب، تبدو الصورة وكأنها تسير في اتجاهين متوازيين لا يلتقيان حتى الآن، في ظل غياب أي ثبات سياسي أو ميداني يحدد وجهة المرحلة المقبلة بشكل واضح.
فأين يقف لبنان فعلا بين هذين المسارين، وهل نحن أمام تهدئة قابلة للتثبيت، أم أمام تصعيد يتشكل بصمت؟
انطلاقا من هذا الواقع الميداني والسياسي المتأرجح بين التصعيد المستمر في الجنوب وحديث متكرر عن مفاوضات وتهدئة، قدم العميد الركن ورئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث الدكتور هشام جابر قراءة عسكرية اعتبر فيها أن المشهد لا يزال بعيدا عن أي مسار تهدئة فعلي أو مفاوضات ناجحة حتى الآن.
ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن ما يحصل لا يعكس مجرد خلاف سياسي أو مرحلة انتقالية، بل حالة حرب مستمرة بأشكال مختلفة، مشيرا إلى أن استمرار التصعيد الميداني يجعل من فكرة التهدئة غير مكتملة التحقق على أرض الواقع.
وفي سياق قراءته، ذهب جابر إلى حد القول إن وقف الحرب، حتى في حال حصول تفاهمات إقليمية كبرى بين أطراف دولية، لن ينعكس تلقائيا على الجبهة اللبنانية، لافتا إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بحسب توصيفه، لا يمكن أن يوقف الحرب بسهولة في ظل طبيعة حكومته القائمة على إدارة الحرب، وبحاجة دائمة إلى استمرار المواجهة، سواء لأسباب داخلية أو لتحقيق أهداف لم تنجز بعد، وهو ما يبقي احتمال استمرار التصعيد قائما.
ورأى الواقع الحالي يعكس استمرار الحرب، مقابل ما يصفه بضعف داخلي لبناني وانقسام، معتبرا أن هذا الوضع ينعكس حالة من "الضعف والانقسام" في مقاربة الملف على المستوى الوطني، وليس على طرف محدد بعينه.
وفي هذا الإطار، دعا جابر إلى مقاربة مختلفة تقوم على وحدة الموقف اللبناني، لافتا إلى أن مواجهة هذا الواقع لا تقتصر على الخيار العسكري فقط، بل تشمل أيضا الخطاب السياسي والدبلوماسي، بحيث يتوجب على الدولة والمجتمع التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية بوسائل عدة، في ظل انقسام داخلي لا يخدم الموقف العام.
وعلى المستوى الميداني، حذر من أن استمرار التصعيد قد يبقي احتمال استهداف مناطق لبنانية كبرى قائما، بما فيها بيروت والضاحية الجنوبية، في ظل غياب قدرة دولية فاعلة على ضبط مسار العمليات أو فرض وقف شامل لإطلاق النار، وفق تقديره.
وفي توصيفه لطبيعة المواجهة، أشار جابر إلى أن ما يحصل لا يمكن اعتباره "رسائل عسكرية متبادلة" بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى معادلة تقوم على ضربات من جهة وردود فعل من جهة أخرى، حيث يستمر كل طرف في أداء دوره داخل معركة مفتوحة من دون قواعد مستقرة.
أما سياسيا، فرأى أن لبنان لم يدخل مسار التفاوض وهو يحمل أوراق قوة فعلية أو مستثمرة، معتبرا أن الحديث عن تحسين شروط التفاوض غير موجود في الواقع الحالي، وأن الدولة اللبنانية لا تملك، بحسب توصيفه، مستندات تفاوضية كافية أو موحدة تسمح لها بالدخول في أي مفاوضات من موقع قوة.
وأكد جابر، في هذا السياق، أن أي مفاوضات حقيقية يفترض أن تخاض بأوراق قوية، لا من موقع ضعف أو تشتت، سواء في الشكل أو المضمون، منتقدا غياب رؤية موحدة في إدارة هذا الملف. وأشار إلى أن لبنان يمتلك نظريا مجموعة من الأوراق التي يمكن أن تشكل عناصر قوة في أي مسار تفاوضي، يصل عددها إلى خمس نقاط أساسية، معتبرا، في المقابل، أن المشكلة تكمن في عدم القدرة على استخدامها بالشكل الصحيح، سواء بسبب ضعف في الأداء السياسي والدبلوماسي، أو بسبب غياب استراتيجية واضحة لتفعيل هذه الأدوات.
وأشار إلى أن هناك خللا في طريقة إدارة هذا الملف، من دون الدخول في اتهامات أو "نظريات مؤامرة"، مشددا على أن الإشكالية الأساسية تبقى في كيفية تحويل ما هو متاح نظريا إلى قوة فعلية على الأرض.
في نهاية المطاف، يبقى المشهد اللبناني محكوما بتوازن هش بين ما يطرح سياسيا وما يترجم ميدانيا، من دون مؤشرات واضحة على اتجاه نهائي بعد، ما يترك المرحلة مفتوحة على احتمالات قد تتبدل بسرعة أكثر مما تحسم.