لا تزال حادثة منطقة ساقية الجنزير التي وقعت السبت الماضي ترخي بثقلها على المشهد الداخلي، لما حملته من دلالات خطيرة على مستوى الأداء الأمني والتعامل مع المواطنين. فبدلا من أن يكون الضابط في الجهاز الأمني الرسمي حريصا على أمن الناس وسلامتهم، تحول إلى سبب مباشر في الاعتداء عليهم وترويعهم، في سلوك يتنافى مع أبسط معايير المسؤولية.
وقد شكلت المشاهد التي وثقتها الفيديوهات المتداولة دليلا واضحا على حجم التجاوزات المرتكبة من قبله ومن العناصر المرتبطين به. إلا أن استدعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم لمدير العمليات الخاصة المعروفة بـ"القوة الضاربة" في جهاز أمن الدولة العميد محمد شريم، وقرار مثوله أمام القضاء العسكري، أعادا قدرا من الأمل والثقة بالمؤسسات العسكرية والقضائية اللبنانية، في تأكيد أن لا أحد فوق سقف القانون وتحت المساءلة القانونية.
في هذا الإطار، أوضح الناشط السياسي سيف دياب أن الشخص المعني حسن عيتاني (أبو علي) لا علاقة له بالمولدات ولا بشركاتها، مشيرا إلى أن كل ما أثير حول هذا الموضوع هو ادعاءات غير دقيقة.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن محامي عيتاني حضر واستمع إليه، حيث منح مهلة 30 يوما لإثبات ما يدلي به، مؤكدا أنه لم تصدر بحق عيتاني أي إشارة جلب، ولم يكن هناك مبرر لتوقيفه بالطريقة التي حصلت.
وانتقد دياب بشدة الأسلوب الذي اعتُمد في تنفيذ العملية، لافتا إلى أن عناصر مسلحة بلباس مدني ومن دون أي شارات تعريفية رسمية نزلت إلى المكان، واطلقت النار قبل صدور أي حكم أو قرار قضائي، ما أثار حالة من الذعر بين المواطنين. وشدد على أن ما حدث كان خطيرا وكان من الممكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية.
وفي سياق حديثه عن الأجهزة الأمنية، أوضح أنه لا يعتقد بوجود توجه مؤسساتي لدى جهاز أمن الدولة للتصرف بطريقة ميليشيوية، بل اعتبر أن ما حصل هو نتيجة تصرف فردي من أحد الضباط. وأكد ثقته بالعهد الجديد وبرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكذلك بقيادة الأجهزة الأمنية، معتبرا أن هذه المؤسسات لا تعمل وفق أساليب ميليشيوية كما كان الحال في مراحل سابقة.
وتحدث دياب عن وجود مقاطع فيديو تظهر إطلاق نار من قبل العناصر، موضحا أن تبرير إطلاق النار في الهواء يجب أن يكون وفق معايير محددة، منها أن يكون بزاوية معينة، وهو ما لم يظهر في الفيديوهات، حيث بدت الطلقات موجهة بشكل منخفض، ما شكل خطرا مباشرا على المواطنين، خصوصا وأن بعض الرصاص مر فوق رؤوس الشبان في المنطقة.
وفيما يتعلق بالمسار القضائي، جدد ثقته برئيسي الجمهورية والحكومة والقضاء العسكري، معتبرا أن هذا الأمر قد يعيد بعض الثقة باستقلالية القضاء. إلا أنه عبّر عن قلقه في الوقت نفسه، مؤكدا أن الأمل كبير في أن تتخذ الإجراءات اللازمة بحق الضابط المسؤول.
وشدد دياب على ضرورة عدم تصعيد الخطاب أو شحن الشارع، محذرا من أن رفع سقف التوتر قد يؤدي إلى نتائج سلبية، خصوصا في ظل الأوضاع الحساسة التي تمر بها البلاد. وأكد أن التحركات التي حصلت في بيروت كانت منضبطة، حيث أغلقت بعض الطرقات من دون وقوع أي أعمال عنف أو ظهور مسلح.
كما أوضح أن المشكلة ليست مع الجيش أو قوى الأمن الداخلي أو جهاز أمن الدولة ككل، بل مع تصرف فردي يجب محاسبته، مؤكدا، في الوقت نفسه، عدم تعرض أي من النازحين في بيروت لأي أذى. ووصفهم بأنهم أهل وضيوف مرحب بهم. وقال: هناك حرص على مساعدتهم، سواء من خلال تأمين الكهرباء أو المياه أو غيرها من الاحتياجات الأساسية.
وأكد دياب على ضرورة عدم تسييس الحادثة أو إعطائها طابعا طائفيا، مشددا على أن القضية تتعلق بقرار خاطئ وتنفيذ أسوأ من قبل ضابط في جهاز أمني، ما يستوجب المساءلة وفق الأصول القانونية.
بناء على ما تقدم، تبقى هذه الحادثة اختبارا جديدا لمدى قدرة المؤسسات على ترسيخ سيادة القانون ومحاسبة المخطئين، بما يعزز ثقة المواطنين بالدولة ويحول دون تكرار مثل هذه التجاوزات مستقبلا.