شهد الجنوب اللبناني خلال هذه الحرب تقدما غير مسبوق في التمركز الإسرائيلي داخل القرى الحدودية، ضمن ما يعرف بـ "الخط الأصفر" الذي يضم عشرات البلدات الجنوبية، مع ما رافق ذلك من عمليات تدمير واسعة ومنع الأهالي من العودة إلى منازلهم حتى الآن. ومع بدء المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، تتزايد التساؤلات في الداخل اللبناني حول مسار المرحلة المقبلة. فهل يتجه الوضع نحو انفراج فعلي، وهل يمكن أن نشهد تراجعا إسرائيليا من هذه المناطق، أم أن هذا الواقع مرشح للاستمرار؟ وهل ستتمكن الدولة اللبنانية من تثبيت سيادتها على كامل أراضيها؟
على ضوء هذا الواقع، أكد الصحافي والمحلل السياسي خالد زين الدين أن "الخط الأصفر" الذي فرضته إسرائيل ميدانيا داخل الجنوب اللبناني، بعد عملية السابع من تشرين الأول وما تلاها من تطورات على جبهة الجنوب، يكرس واقعا جديدا يرتبط مباشرة بأمن إسرائيل وعمقها الأمني، مشيرا إلى أنه يمكن التمييز بين أكثر من مستوى في مقاربة إسرائيل، بين ما يطرح في الخطاب المرتبط بـ "إسرائيل الدينية". ولفت إلى أن ما يثار حول أطماع في جنوب لبنان يأتي ضمن هذا الإطار الديني أو العقائدي في بعض الخطابات، في حين أن المستوى السياسي في إسرائيل، أي الحكومات المتعاقبة سواء كانت يمينية أو يسارية، يتحرك وفق حسابات أمنية بالدرجة الأولى، تركز في هدفها على تأمين أمن إسرائيل ومواطنيها وحدودها، أكثر من أي توجه يرتبط بأطماع احتلال مباشرة.
وأفاد عَبرَ مِنصة "بالعربي" بأن الميدان فرض استراتيجية جديدة في العمق اللبناني، معزيا الهدف إلى منع أي منظمة أو حزب أو فصيل أو حركة أو حتى دولة إقليمية من استخدام الساحة الجنوبية اللبنانية كمنصة موجهة ضد إسرائيل وأمنها وعمقها.
ولفت زين الدين إلى أن أي تقدم في هذا المسار يرتبط بقدرة الحكومة اللبنانية على ضبط الحدود ومنع أي طرف من استخدام الجنوب اللبناني كمنطلق لتهديد إسرائيل، سواء كان حزب الله أو غيره من القوى أو الأطراف الإقليمية، مؤكدا أن هذه مسارات التفاوض تترافق مع ضمانات دولية، وفي مقدمتها الضمانات الأميركية. وتحدث عن ما يحصل اليوم من تقدم في وتمديد لوقف إطلاق النار بضمانة أميركية، إلى جانب ضغوط دولية متزايدة على إسرائيل لإعادة النظر في تمركزها داخل الأراضي اللبنانية.
وأوضح أن هذا التطور ينعكس على مقاربة جديدة للبنان دوليا، تقوم على الانتقال من منطق القوة العسكرية إلى منطق القوة السياسية والدبلوماسية، وللمرة الأولى يُتعاطى مع الدولة اللبنانية كمؤسسات قادرة على تمثيل شريحة واسعة من اللبنانيين الذين لا يريدون الحروب، بل يسعون إلى الاستقرار وتحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار والتجارة، مفيدا بأن هناك توجها لدعم المؤسسة العسكرية اللبنانية لتعزيز انتشارها وسيطرتها في الجنوب، في إطار مرحلة جديدة يشهدها لبنان على المستويين الداخلي والخارجي.
وبيّن زين الدين أن لبنان يخرج تدريجيا من حالة العزلة العربية والخليجية والدولية التي مر بها خلال السنوات الماضية، نتيجة السياسات السابقة وما رافقها من توتر في العلاقات مع الدول الأوروبية والعربية، في ظل النفوذ الإيراني عبر حزب الله وحلفائه داخل الدولة اللبنانية، مؤكدا أن المرحلة الحالية تشهد دعما دوليا وخليجيا ورئاسيا لرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بما يساهم في إعادة لبنان إلى محيطه العربي وفتح مسارات دبلوماسية أوسع.
وفي ما يتعلق بالداخل اللبناني، أوضح أن هناك توجها واضحا نحو حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وأن حزب الله بات خارج الاستراتيجية الدفاعية وخارج الغطاء السياسي في هذا المسار، ضمن نقاش أوسع حول إعادة تنظيم المعادلة الأمنية في البلاد، مشيرا إلى أن لبنان يتجه نحو مرحلة جديدة، حيث يُفصل ملف حزب الله تدريجيا عن مسار المفاوضات اللبنانية، في ظل تولي الولايات المتحدة وإسرائيل ملفات مرتبطة به وبإيران، مع ترجيح حصول تحولات إقليمية كبرى تنعكس على الداخل اللبناني، فيما يبقى الاتجاه العام، بحسب تعبيره، نحو مسار سياسي مختلف عما سبق.
في المحصلة، يبقى ما يحصل في الجنوب جزءا من مسار أوسع يتداخل فيه الميداني مع السياسي، في ظل مفاوضات وضمانات وضغوط دولية متزايدة، لا سيما أميركية. وبين هذا الواقع والتحولات الداخلية والخارجية، يبقى المشهد مفتوحا على مرحلة قيد التشكل، من دون اتضاح نهائي لحدود اتجاهه في المرحلة المقبلة.