April 25, 2026   Beirut  °C
سياسة

عارف العبد: "لبنان أولا" أعاد تعريف الدور السياسي للسنة

تشهد الساحة اللبنانية تحولا لافتا في المزاج السياسي لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة السنية، بعد عقود طويلة من الانخراط في قضايا وشعارات عابرة للحدود.

فمن مرحلة التأثر بأفكار جمال عبد الناصر وشعاراته المرتبطة بالوحدة العربية ولاءاته الثلاثة، مرورا بدعم منظمة التحرير الفلسطينية والتعبئة الشعبية نصرة للقضايا العربية، وصولا إلى النقاش الراهن حول جدوى المفاوضات مع إسرائيل، يبدو أن ثمة انتقالا تدريجيا في سلم الأولويات.

هذا التحول يطرح تساؤلات جدية حول أسبابه وخلفياته، وما إذا كان يعكس مراجعة نقدية للتجارب السابقة التي تبين لاحقا أنها ارتبطت في كثير من الأحيان بأجندات خارجية لا تتطابق مع مصالح سنة لبنان. في المقابل، برز نهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري كعامل مفصلي في إعادة توجيه البوصلة نحو الداخل اللبناني، عبر تكريس مفهوم "لبنان أولا" كإطار جامع، ما أسهم في إعادة تعريف الدور السياسي للطائفة ضمن مشروع الدولة.


في هذا الإطار، أوضح الكاتب والباحث السياسي الدكتور عارف العبد أن التغير في المزاج العام لدى السنة في لبنان خلال هذه المرحلة لا يمكن فهمه بمعزل عن مجموعة من التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن هذا التحول جاء نتيجة تراكمات عدة أسهمت في إعادة تشكيل المقاربات تجاه قضايا التفاوض والسلام.


ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن المرحلة التي كان فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري في السلطة ترافقت مع استعداد لبنان وسوريا للدخول في مفاوضات مؤتمر مدريد للسلام، وهو ما شكل مؤشرا مبكرا على تحول في التفكير السياسي العام، حيث لم يعد مبدأ التفاوض مرفوضا كما كان في السابق، بل بات خيارا مطروحا ضمن سياق السعي لاستعادة الحقوق. وقال: مشاركة سوريا في مسار مؤتمر مدريد، في عهد الرئيس حافظ الأسد، عكست توجها إقليميا نحو الانخراط في العملية السياسية، بالتوازي مع بروز مبادرة السلام العربية التي قادتها المملكة العربية السعودية، والتي أفضت إلى قمة بيروت، حيث وفّر غطاء سياسي عربي وإسلامي سني أتاح للدول المعنية التوجه نحو خيار التفاوض ضمن إطار جماعي.


ورأى العبد أن هذا الغطاء السياسي المزدوج، الذي تمثل من جهة في جهود الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن جهة أخرى في مبادرة السلام العربية الصادرة عن قمة بيروت بدعم سعودي، أسهم في كسر المحظورات السابقة المرتبطة بفكرة التفاوض، وجعلها خيارا مقبولا على المستويين العربي والإسلامي، بما في ذلك داخل لبنان، لافتا إلى أن هذه التحولات تزامنت مع سوابق إقليمية، من بينها توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد، ثم انخراط عدد من الدول العربية لاحقا في مسارات تطبيع مختلفة، وهو ما ساهم في خلق مناخ عام أكثر تقبلا لفكرة البحث عن حلول سياسية قائمة على مبدأ السلام العادل واستعادة الحقوق عبر الوسائل السلمية.


وأكد أن مجمل هذه المعطيات، من مؤتمر مدريد إلى مبادرة السلام العربية، شكلت أرضية سياسية جديدة جعلت خيار التفاوض ممكنا، بعد أن كان يعد في مراحل سابقة من المحرمات، مشددا على أن تحقيق السلام العادل يبقى رهنا بالتطورات المستقبلية وبمدى توافر الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية.


وفي ما يتعلق بنهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أوضح العبد أن هذا النهج أعطى أولوية واضحة للبنان، وهو ما تجسد بشكل أكبر بعد اغتياله، حيث أسهمت هذه الحادثة المفصلية في إعادة تشكيل الوعي السياسي لدى شريحة واسعة من المسلمين السنة، وتقريبهم أكثر من الصيغة اللبنانية، مشيرا إلى أن دماء الحريري لعبت دورا محوريا في تعزيز الاندماج الوطني بين المسلمين والمسيحيين، بعدما كانت العلاقة بين المكونات اللبنانية تشوبها إشكالات عدة في مراحل سابقة. ولفت إلى أن هذا التحول تجسد بوضوح في انتفاضة 14 آذار، التي شهدت تظاهرة حاشدة في بيروت رفعت شعار "لبنان أولا".


وقال: شكلت هذه المرحلة نقطة تحول في تاريخ العلاقات الداخلية، حيث توحد اللبنانيون، مسلمين ومسيحيين، حول رؤية مشتركة قائمة على أولوية الدولة اللبنانية، وهو ما لم يكن بهذا الوضوح في السابق، معتبرا أن هذا التقارب غير المسبوق جاء نتيجة مباشرة للتداعيات السياسية والوطنية لاغتيال الرئيس الشهيد.


بناء على ما تقدم، يعكس هذا التحول لدى سنة لبنان مسارا متدرجا نحو إعادة ترتيب الأولويات، حيث تتقدم المصلحة الوطنية على الشعارات العابرة، في ظل متغيرات داخلية وإقليمية متسارعة.