في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها لبنان والمنطقة، تعود المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى صدارة المشهد، كملف دقيق يحمل أبعادا تتجاوز الإطار المحلي، ويستقطب اهتماما دوليا متزايدا. وبين الانقسام الداخلي والترقب الخارجي، تتصاعد التساؤلات حول جدية هذا المسار وحدود نتائجه. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز سؤال أساسي: ما مصير الاجتماع الثاني المرتقب في واشنطن؟ هذا الاستحقاق لا يختصر مجرد جولة تفاوضية، بل يشكل مؤشرا على اتجاهات المرحلة المقبلة، في ظل توازنات إقليمية متحركة وضغوط دولية متشابكة.
من هذا المنطلق، صرح الكاتب السياسي ناجي علي أمهز أنه مع انطلاق المفاوضات وقبيل الاجتماع الأول المدعوم بإعلان مشاركة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وفي ظل ما رافق ذلك من مواقف وتصريحات وتحليلات لبنانية شككت في جدوى هذه المباحثات أو روجت لفكرة أن الولايات المتحدة تخلت عن لبنان، حاول استطلاع آراء بعض الأصدقاء في فرنسا والولايات المتحدة حول جدية هذا الطرح، وما إذا كان يستند إلى استراتيجية أميركية ثابتة أو مجرد "روتين" ضمن المتغيرات التي تشهدها المنطقة، مشيرا إلى أن الجواب جاء صادما وإيجابيا للغاية، إذ تبين أن لبنان لم يحظ منذ 60 عاما بهذا المستوى من الاهتمام لدى الإدارة الأميركية. ولفت إلى أن الأوساط هناك تتحدث عن "ثالوث لبناني" فاعل ومؤثر في إدارة الرئيس دونالد ترامب (السادة بولس، وعيسى، وباراك)، إضافة إلى حركة نشطة للوبي اللبناني الذي بدأ يستعيد دوره تدريجيا، بما يعيد الأمور إلى زخمها الذي كانت عليه في ستينيات القرن الماضي.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه فعلا قد جاء الاجتماع الأول الذي سارعت واشنطن إلى دعمه وتكريسه كأولوية في السياسة الشرق أوسطية، عبر حضور وزير الخارجية ماركو روبيو، معتبرا أنه، مع انعقاد الجلسة الثانية في فترة وجيزة، تشير المعطيات إلى أن إدارة ترامب مصممة على وضع الملف اللبناني في صدارة الأولويات، وبمستوى اهتمام لا يقل عن متابعتها للاتفاق (الإيراني – الأمريكي) في باكستان.
ولفت أمهز إلى أن كل المؤشرات السياسية الدولية تؤكد أن قطار المفاوضات قد انطلق بخطوات ثابتة، وفق مهل زمنية محددة وبروتوكول دولي داعم، خصوصا بعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول إعادة الإعمار في الجنوب ودعم الجيش اللبناني، معتبرا أن هذا المسار سيؤدي حتما إلى انسحاب إسرائيلي كامل من لبنان، مع الإبقاء على منطقة منزوعة السلاح تمتد حتى مدخل العاصمة بيروت، على أن يُمدد للقوات الدولية وتعزيزها ضمن بروتوكول أممي يضم دولا عربية، بما يضمن وقف إطلاق نار دائم ومنع أي تصعيد مستقبلي بين الدولتين.
وعند سؤاله عن كيفية تأثير خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون على مسار هذا الاجتماع، أوضح أن هذا الخطاب فاجأ الجميع، خصوصا حين أكد استعداد الدولة لتحمل تبعات ما قد ينتج عن هذه المفاوضات، مشيرا إلى أن هذا الموقف المتقدم يشكل أرضية صلبة يمكن البناء عليها، ويمهد للانطلاق في مسار تفاوضي باتجاه عملية سلام، بغض النظر عن المدى الزمني الذي قد تستغرقه. ولفت إلى أن إعلان هذا الخيار يمثل الحدث الأساسي في المرحلة الحالية، إذ لا يمكن لواشنطن المضي في أي مسار تفاوضي من دون غطاء شرعي مماثل لما قدمه خطاب رئيس الجمهورية.
ورأى أمهز أن السلام، وفق هذا المنطق، يتطلب شجاعة وصلابة وتضحيات متبادلة، لافتا إلى أن المشهد ليس سهلا في ظل تباينات داخلية وإقليمية. فكما أن هناك رفضا في بعض الأوساط العربية والإسلامية، فإن غالبية الداخل الإسرائيلي تعارض بدورها مسار التسوية لأسباب توراتية وسياسية.
ومع ذلك، شدد على أن الخطاب، على الرغم من ما أثاره من انقسام داخلي، لقي صدى دوليا لافتا، مفاده بأن الدولة اللبنانية تستعيد دورها الطبيعي، وبأن مؤسساتها الرسمية تمارس سيادتها بعيدا عن الضغوط، معتبرا أن هذا التطور قد يساهم في إعادة تنشيط الحضور السياسي الدولي في بيروت، بعد غياب امتد لعقود نتيجة الوصاية السورية سابقا والتوازنات الداخلية لاحقا.
وعن دور زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى لوكسمبورغ وفرنسا في دعم الموقف التفاوضي للبنان، أشار أمهز إلى أن رئيس الحكومة يعد شخصية ضليعة بالمفاتيح الدولية ويمتلك شبكة علاقات واسعة جدا، لافتا إلى ان سلام يدرك تماما أن قرار الذهاب إلى المفاوضات يحتاج إلى تضامن دولي يحفظ حقوق لبنان، ويحول دون أي محاولة لتعطيل مسار السلام من قبل أطراف قد لا ترتاح لاستبعادها عن هذه المفاوضات الحساسة.
لذلك، رأى أن إطلاع الدول الصديقة على مجريات التفاوض يساهم في تعزيز الموقف اللبناني وتحصينه، ويشكل في الوقت نفسه وسيلة ضغط غير مباشر على الجانب الإسرائيلي للالتزام بالتوصيات والمعايير الدولية، مؤكدا أن رئيس الحكومة يقوم بدوره ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية، بالتكامل مع دور رئيس الجمهورية كحام للدستور والسيادة. وقال: هذا التنسيق بين المؤسستين يشكل ركيزة أساسية في إدارة هذا الملف. غياب هذا الحضور السيادي المشترك من رئاسة الجمهورية والحكومة يطرح علامات استفهام حول جدوى وجودهما في موقع القرار.
وعند سؤاله عن مدى انعكاس الدعم السعودي للبنان على نتائج هذا الاجتماع، أوضح أمهز أنه لا يمكن فصل أي خيار استراتيجي للبنان، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، عن التواصل مع المملكة العربية السعودية والحصول على مباركتها، مشيرا إلى أن المملكة، بما تمتلكه من ثقل سياسي وشعبي في لبنان وعلى المستوى العربي، إضافة إلى علاقاتها الدولية الفاعلة، تشكل بمثابة "مظلة" تحمي لبنان وتخفف عنه الأعباء والارتدادات في منطقة تعيش تقلبات شديدة التعقيد.
ورأى أن ما يظهر في الإعلام من دعم سعودي لرئيس الجمهورية والحكومة يعكس انعكاسا إيجابيا واضحا على مسار المرحلة، لا سيما وأن القرار المتخذ هو قرار لبناني صرف، من شأنه أن يجنب البلاد الانزلاق في أزمات إقليمية كبرى.
وعند سؤاله عن كيفية تفسير مواقف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في سياق هذه المفاوضات، شدد أمهز على أن موقف المملكة العربية السعودية لا ينفصل عن رؤية إيجابية واضحة تجاه لبنا، لافتا إلى أن ولي العهد يعد الراعي الأول والداعم لهذه المواقف المتقدمة. وقال: الأمير محمد بن سلمان سبق أن أكد في أكثر من مناسبة على مكانة لبنان لدى المملكة، وعلى الالتزام الدائم بالحفاظ على وحدته، ودعمه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى تعزيز استقراره وترسيخ مواقفه السيادية.
وعند سؤاله هل يمكن أن يقود الاجتماع الثاني إلى مزيد من التهدئة أم إلى التصعيد في ظل التوتر بين إيران والولايات المتحدة، أوضح أنه لا يتوقع وقوع توتر، على الرغم من أن الانقسام الداخلي قد يقرأ كصدى للموقف الإيراني، مشيرا إلى أن إيران في النهاية دولة تدرك آليات السياسة الدولية وكيفية إدارة مصالحها. وأي هدوء في لبنان سينعكس إيجابا على إيران، والعكس صحيح.
وقال أمهز إن أي هدوء في لبنان سينعكس إيجابا على إيران، كما أن أي تصعيد سينعكس سلبا على الجميع، ما يجعل مسار التهدئة هو الأرجح في هذه المرحلة، مشيرا إلى أن المنطقة تعيش مشهدا إقليميا جديدا وتحولات كبرى لا يمكن التعامل معها بأساليب أحادية، مؤكدا الحاجة إلى حلول بحجم الكوارث التي تلت "طوفان الأقصى"، وما تبعها من سقوط نظام بشار الأسد، ودمار غزة، واغتيال قادة محور المقاومة واستهداف إيران نفسها، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي في سوريا ولبنان وحتى إيران.
وكذلك، رأى أن الولايات المتحدة قد تسعى إلى تقديم "النموذج اللبناني" في التفاوض كحافز لدول أخرى، معتبرا أن جدية واشنطن في إدارة هذا الملف قد تخلق أرضية سياسية أوسع تمهد لمسار تفاوضي أوسع، يواكب التفاوض الإيراني - الأميركي الجاري حاليا في باكستان، وربما يمتد لاحقا إلى دول أخرى مستقبلا.
وعند سؤاله متى ستسلك المفاوضات شكلها الرسمي بعيدا عن الاجتماعات أو النقاشات التقنية، أوضح أمهز أن المفاوضات قد انطلقت بالفعل، وأن هذه هي النقطة الأهم في المسار، إذ إن كل انتقال من مرحلة إلى أخرى على رقعة السياسة الدولية يعد بحد ذاته إنجازا للسلطة اللبنانية، مشيرا إلى أن الوصول إلى الصيغ الختامية والآليات التنفيذية يحتاج إلى وقت، كونه يخضع لشروط وظروف معقدة لا تتعلق بلبنان وحده، بل تمتد لتشمل إسرائيل والمنطقة ككل، إضافة إلى توازنات دولية متحركة.
ولفت أيضا إلى أن هذا المسار يرتبط بقدرة دونالد ترامب وفريقه خلال الاستحقاقات الداخلية، لا سيما الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، والتي قد تفرز واقعا داخليا جديدا في الولايات المتحدة، بما ينعكس لاحقا على المرحلة الرئاسية المقبلة.
في الختام، تبدو المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وكأنها دخلت مرحلة دقيقة من التدرج السياسي المحكوم بتوازنات داخلية وإقليمية ودولية متشابكة. فالمسار الذي انطلق عبر اجتماعات أولية لا يزال في طور التبلور، فيما تبقى مآلاته النهائية مرهونة بتطور الظروف السياسية في المنطقة، وبقدرة الأطراف الدولية على تثبيت أرضية تفاهم مستدامة.
وبين التفاؤل الحذر والرهانات المفتوحة، يبقى العامل الزمني عنصرا حاسما في رسم شكل المرحلة المقبلة، سواء لناحية الانتقال نحو مسار تفاوضي أكثر رسمية، أو لناحية تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق إلى أي تصعيد جديد.