April 23, 2026   Beirut  °C
سياسة

جورج الصغير: أي دعم للبنان يمر عبر واشنطن أولا

يعود ملف دعم الجيش اللبناني إلى واجهة الاهتمام السياسي في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع توازنات الخارج التي ترسم حدود أي تحرك على هذا المسار. وبينما يُطرح هذا الدعم كأولوية لتعزيز الاستقرار الداخلي، يبرز سؤال أساسي حول حجم الدور الفعلي الذي يمكن أن تلعبه فرنسا في ظل النفوذ الأميركي الحاسم في الملف اللبناني، ومدى قدرتها على التحرك بشكل مستقل. وفي هذا السياق، تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والإقليمية، ما يجعل من أي مقاربة لدعم الجيش جزءا من مشهد أوسع تحكمه اعتبارات دولية دقيقة ومتشابكة.

في هذا السياق، أوضح المحلل العسكري والسياسي العميد المتقاعد جورج الصغير أن الفرنسيين يتدخلون في ملف لا توافق عليه الولايات المتحدة بشكل كامل، مشيرا إلى أن الأميركيين غير موافقين على هذا المسار إطلاقا وبأي شكل من الأشكال، لكنهم يتركون هامشا محدودا للتحرك.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن دعم الجيش اللبناني لا علاقة له بمسألة نزع سلاح حزب الله، موضحا أنه في حال دُعم الجيش، بما في ذلك تزويده بقدرات في مجال الطيران أو أي تجهيزات أخرى يطلبها، فإن ذلك يبقى منفصلا عن ملف السلاح.


وفي ما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، استعاد الصغير، في هذا السياق، ما حصل خلال الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، متحدثا عن ما رافق تلك المرحلة من أحداث ضمن الغزو الإسرائيلي للبنان 1982، وإلى تصريحات منسوبة إلى الإعلامي والمحلل السياسي الإسرائيلي إيدي كوهين، المعروف بتعليقاته ومداخلاته في الشأنين العربي والإسرائيلي، حيث نُقل عنه قوله إن الفلسطينيين لا يملكون أرضا أو وطنا.


وفي هذا السياق، جاء كلام العميد المتقاعد جورج الصغير ليقدم مثالا تاريخيا على تلك المرحلة، موضحا أن المقصود من التوصيف ليس تأييدا لما نُقل، بل الإشارة إلى واقع مختلف، حيث شدد على أن اللبنانيين يعتبرون أن هذه أرضهم ووطنهم، وأنهم مرتبطون بها بشكل ثابت، في مقابل أي روايات أو مقولات تتناول مسألة الأرض والهوية في سياق النزاعات السابقة.


وقال: ملف حزب الله مرتبط بشكل كامل بإيران، معتبرا أن الطرفين يبدوان، وفق تعبيره، كأنهما "جسم واحد برأسين".


وأشار الصغير إلى أن محاولات التعاطي مع هذا الملف تقوم، بحسب رأيه، على مقاربات معقدة، في ظل ما وصفه بارتباط المصير بين الطرفين، لافتا إلى أن أي محاولة للفصل بينهما قد تؤدي إما إلى استمرار الوضع القائم أو إلى انهياره بالكامل.


واعتبر أن هذا الواقع يحد من فاعلية أي دور خارجي، مؤكدا أنه لا يرى دورا أساسيا لفرنسا في هذا الإطار، في ظل تشابك المعادلات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف، مشيرا، في سياق متصل، إلى أن دونالد ترامب يحاول، بحسب قراءته، إثارة الجدل داخل الساحة الأميركية وتعزيز حضوره السياسي، عبر طرح مواقف أو أفكار مثيرة للانتباه.


وقال الصغير: بعض الطروحات المتداولة، مثل الحديث عن إنشاء وجود عسكري في منطقة الناقورة، تبقى غير واقعية وتندرج في إطار الخطاب السياسي أكثر من كونها خططا قابلة للتنفيذ، واصفا إياها بأنها "كلام بلا طعم"، بحسب تعبيره.


وعند سؤاله عما إذا كانت هناك شروط سياسية يمكن أن تُفرض على لبنان مقابل هذا الدعم، أوضح أن فرنسا لا تستطيع فرض شروط سياسية على لبنان، كما لا يمكنها تقديم الدعم له بشكل مستقل. وقال: إذا طلب الأميركيون من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عدم دعم لبنان، فلن يكون بإمكانه القيام بذلك، معتبرا أنه قد يضع نفسه في مواقف تتجاوز قدرته على التنفيذ أو التأثير.


وأشار الصغير إلى أنه لا وجود لشروط سياسية في هذا السياق، ولا لأي مسار منفصل عن الإرادة الأميركية، مؤكدا أن الولايات المتحدة تبقى الطرف الحاسم في هذا الملف، شئنا أم أبينا.


ورأى أنه من الضروري ترقب ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية - الإيرانية، في ظل اعتقاد بأن الوقت لا يصب في مصلحة إيران، سواء من حيث التوازن السياسي أو العسكري. كما يُنتظر، بحسب هذا الطرح، ما سيعلنه دونالد ترامب خلال اجتماع مرتقب. وقال: يسعى إلى إعادة صياغة وضع إيران بالكامل، بحيث تعود إلى إطار "الدولة العادية"، بعيدا عن تصنيفها كدولة ثورية تمتلك أذرعا إقليمية، بما يشمل، وفق هذا التصور، تقليص دور المؤسسات المرتبطة بنفوذها الخارجي، ومنها فيلق القدس، وحصر دورها ضمن الحدود الداخلية للدولة.


واعتبر الصغير أن هذا التحول، في حال تحققه، من شأنه أن ينعكس على مسار الاستقرار الإقليمي، إذ إن تحقيق السلام، بحسب هذا الطرح، يتطلب غياب طرفين يُنظر إليهما كعقبة أمامه، هما إيران ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وقال: يسعى، وفق هذا المنظور، إلى إعادة تشكيل موازين القوى التي تحكم هذا الملف، في ظل تحولات في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، بعد تصريحات إسرائيلية سابقة أشارت إلى تغير موقع القرار بين الطرفين، من مرحلة "نأمر أميركا" إلى مرحلة أصبحت فيها "أميركا تأمرنا".


ولفت إلى أن دونالد ترامب هو الوحيد الذي تحدى العالم، بحسب تعبيره، منذ عهد أدولف هتلر، مشيرا إلى أن هتلر كان يمتلك حينها كل المقومات العسكرية، إذ كان يقوم بتصنيع الدبابات والطائرات والصواريخ، إضافة إلى امتلاكه جيشا قوامه نحو ستة ملايين عسكري.


وشدد الصغير على أنه في حال عدم تدخل الأميركيين في الحرب العالمية الثانية، لكان العلم النازي لا يزال يرفرف اليوم فوق برج إيفل في باريس.


كما أعطى مثالا تاريخيا من فترة الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء الياباني حينها فوميمارو كونوي، وبالتنسيق مع القيادة العسكرية، وافق على تنفيذ خطة الهجوم على القاعدة البحرية الأميركية في بيرل هاربور، موضحا أن هذه الخطة نُسبت إلى قائد البحرية اليابانية الأدميرال إيسوروكو ياماموتو، الذي اعتبر أن توجيه ضربة مباغتة للأسطول الأميركي قد يؤدي إلى إضعاف قدراته بشكل كبير وإحداث تغيير في ميزان القوى في منطقة المحيط الهادئ.


وقال الصغير إن بعض القراءات التاريخية تشير إلى أن ياماموتو كان يدرك، في المقابل، أن أي حرب طويلة الأمد مع الولايات المتحدة قد تنتهي بنتائج معاكسة، بالنظر إلى تفوقها الصناعي والعسكري، الأمر الذي جعله متحفظا على إمكانِ تحقيق نصر سريع أو حاسم.


وأشار إلى أن تنفيذ الهجوم في العام 1941 أدى إلى دخول الولايات المتحدة الحرب بشكل مباشر، ما انعكس لاحقا على مسار الصراع في آسيا والعالم.


في نهاية المطاف، لا يبدو ملف دعم الجيش اللبناني تفصيلا تقنيا أو خطوة ظرفية، بل محطة مفصلية تعكس حجم التعقيدات السياسية والإقليمية التي تحكم الواقع اللبناني. وبين الحاجة الملحة لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية كضمانة للاستقرار الداخلي، وبين تشابك النفوذ الدولي وتحديدا الدور الأميركي في رسم سقوف أي دعم خارجي، يبقى هذا الملف خارج الحسابات البسيطة. وعليه، فإن مستقبل الجيش ودعمه لا ينفصلان عن مسار التسويات الإقليمية الكبرى، التي لا تزال مفتوحة على أكثر من سيناريو، بانتظار ما ستؤول إليه توازنات المرحلة المقبلة.