مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة بين إيران والولايات المتحدة في خلال ساعات، يتجه المشهد نحو مزيد من التعقيد لا التهدئة. فقد شهدت الساعات الماضية خروقات من الجانبين، في مؤشر إلى استعداد متبادل للتصعيد، تزامنا مع ما أفادت به وكالة تسنيم عن استعداد طهران لاستئناف الحرب.
في المقابل، لم يكن لبنان بعيدا عن هذا المناخ، إذ يتصاعد الحديث عن لقاء مرتقب يجمع بين دونالد ترامب وجوزاف عون، وسط معطيات تشير إلى أن الجانب الأميركي أبدى نوعا من التطمين حيال إمكانية تمديد مهلة وقف إطلاق النار في لبنان.
فهل يمكن الفصل بين جبهة إيران وجبهة لبنان، في وقت تحاول فيه الدولة اللبنانية تكريس هذا الفصل عبر مسارها الدبلوماسي؟ أم أن قرار الربط يبقى بيد طهران، ما يعني أن أي تصعيد إقليمي قد ينسحب حكما على الساحة اللبنانية؟
في هذا الإطار، أكد الإعلامي طوني نصار أن التصعيد الكلامي المتبادل بين واشنطن وطهران لا يمكن فصله عن مسار تفاوضي معقد، حيث يستخدم الطرفان لغة التهديد في موازاة محاولات فرض الشروط، لافتا إلى أن الموقف الأميركي لا يزال متصلبا، لا سيما في ما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم والأذرع الإقليمية، وهي الشروط التي أعادت صحيفة نيويورك تايمز تسليط الضوء عليها من الجانبين الأميركي والإيراني. وشدد على أن إيران تتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم وترفض التراجع عنه، بالتوازي مع سعيها إلى تكريس نفوذها في مضيق هرمز، إضافة إلى توسيع دائرة الضغط عبر حلفائها، لا سيما الحوثيون، الذين يلوحون بإمكانِ التأثير على الملاحة في باب المندب، ما يعني عمليا تهديد أكثر من ممر حيوي في المنطقة.
ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبدو أكثر جدية في هذه المرحلة، في ظل تقاطع غير معلن بين مشروعه ومشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مشيرا إلى أن أي تباين بينهما يبقى محدودا، إذ يسيران بخطين متوازيين قد يلتقيان عند نقطة معينة. واعتبر أنه في حال توجه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى إسلام آباد، فقد يفتح ذلك نافذة أمل أمام استئناف التفاوض، إلا أن غيابه يعيد المشهد إلى مزيد من التعقيد.
وقال نصار إن المشهد لا يرتبط فقط بالوفد الأميركي، بل أيضا بموقف طهران، إذ إن الوفد الإيراني نفسه لا يزال يستخدم ورقة المشاركة في المفاوضات كأداة ضغط حتى اللحظات الأخيرة، في محاولة لابتزاز أكبر قدر ممكن من المكاسب، ما يعكس استمرار سياسة رفع السقف حتى في مسألة الذهاب إلى التفاوض بحد ذاته، مع بقاء الوسطاء، ومنهم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في واجهة هذا المسار.
وفي ما يتعلق بلبنان، أشار إلى أن الهدنة الحالية قابلة للاستمرار وأيضا قابلة للانهيار، رابطا مصيرها بمسار التوتر بين واشنطن وطهران. وأوضح أن الدولة اللبنانية حاولت في المرحلة الأخيرة الفصل بين المسار الداخلي والتأثيرات الإيرانية منذ بدء المفاوضات بين السفيرة اللبنانية ندى معوض والإسرائيلي يحيئيل لايتر، وأيضا من خلال الانفتاح على الجانب الأميركي وهو ما انعكس في خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي حمل رسائل واضحة باتجاه واشنطن، من دون الإشارة إلى إيران، في محاولة لتأكيد تموضع لبنان ضمن مقاربة مختلفة.
وفي المقابل، شدد نصار على أن إيران لا تزال تسعى إلى إبقاء لبنان ضمن أوراق الضغط الخاصة بها، محذرا من احتمال أن يعمد حزب الله إلى إعادة فتح الجبهة الجنوبية في حال تصاعد التوتر الإقليمي، بغض النظر عن موقف الدولة اللبنانية، ما يضع الأخيرة أمام تحد كبير في فرض قرارها.
ولفت إلى أن المعطيات الميدانية في الجنوب تشير إلى واقع أكثر تعقيدا مما يُعلن، مع وجود سيطرة إسرائيلية متفاوتة، سواء عسكرية مباشرة أو عبر السيطرة بالنار، على عدد من القرى، في ظل تضارب واضح في الروايات حول حجم هذا التقدم.
ورأى نصار أن أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى توسع رقعة المواجهة، مع احتمال أن تذهب إسرائيل إلى ما هو أبعد من حدود جنوب الليطاني، ما يرفع كلفة المواجهة على لبنان بشكل كبير، مشيرا إلى أن فشل المسار الدبلوماسي قد يدفع الولايات المتحدة إلى رفع الغطاء، وترك لبنان أمام خيارين: إما التفاوض وفق الشروط المطروحة، أو مواجهة التصعيد، معتبرا أن ترامب هو الوحيد الذي استطاع الضغط على نتنياهو.
وأكد أنّ المرحلة المقبلة ستشهد شد حبال إقليميا، معتبرا أن إيران قد تستخدم أوراقها، لا سيما الساحة اللبنانية عبر حزب الله، لتحسين شروطها، مستبعدا، في المقابل، أن يحقق هذا الأمر نتائج إيجابية. وقال: انتقلنا من العهد الإيراني إلى العهد "الترامبي"، الذي وصفه ترامب بـ "الذهبي".
وفي ختام حديثِه، لفت نصار إلى أن التحولات الإقليمية التي شهدتها المنطقة، خصوصا ما حصل في سوريا أدخلتنا في مرحلة جديدة، ما يفرض على الدولة اللبنانية اتخاذ قرارات حاسمة، سواء عبر الدبلوماسية أو من خلال خيارات أكثر صرامة، خصوصا وأن 70٪ من الشعب اللبناني يؤيد الدولة في اتخاذها قرارات حاسمة.