April 20, 2026   Beirut  °C
سياسة

كمال طربيه: تأثير فرنسا في لبنان محدود رغم أدواتها الدولية وتراهن على الحوار مع حزب الله

يشكل الدور الفرنسي في لبنان موضع متابعة واهتمام في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية، حيث يبرز الحضور القوي للولايات المتحدة الأميركية كعامل مؤثر في تحديد هامش التحرك الفرنسي. ويعكس هذا الواقع حالة من الالتباس أو التردد في بعض المواقف الفرنسية تجاه ملفات حساسة، تمتد من تداعيات انفجار مرفأ بيروت إلى القضايا السياسية والأمنية الراهنة، وفي مقدمها ملف سلاح حزب الله، بما يطرح تساؤلات حول حدود التأثير الفرنسي وإمكاناته في الساحة اللبنانية.

في هذا السياق، أكد رئيس "التجمع اللبناني في فرنسا" الصحافي كمال طربيه أن فرنسا تمتلك نوايا طيبة واستعدادات حقيقية لمساعدة لبنان، إلا أن دورها السياسي والدبلوماسي يصطدم بعوائق أساسية، أبرزها رفض كل من الولايات المتحدة وإسرائيل منحها هامشا واسعا من التحرك والتأثير، باعتبار أن ملف النزاع في الشرق الأوسط يبقى بيد الولايات المتحدة التي تقدم دعما كاملا وغير محدود لإسرائيل.


ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذا الواقع يحد من قدرة فرنسا على لعب دور حاسم في القضايا اللبنانية، خصوصا في ما يتعلق بالصراع اللبناني الإسرائيلي، مشيرا إلى أن ذلك لا يلغي امتلاك فرنسا أدوات تأثير مهمة، فهي تعد من أكثر الدول اهتماما بلبنان على مستوى العالم غير العربي، كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي وتتمتع بحق النقض، ما يمنحها نفوذا داخل المجتمع الدولي. وقال إن فرنسا تشكل أيضا قوة محركة داخل الاتحاد الأوروبي إلى جانب ألمانيا، حيث تسهمان في رسم السياسات الأوروبية، فضلا عن حضورها العسكري ضمن قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، وهو حضور له دلالاته السياسية والأمنية.


وأوضح طربيه أن فرنسا، على الرغم من محدودية تأثيرها المباشر، لم تتوقف عن السعي لدعم لبنان، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، مشيرا إلى أنها كانت من أوائل الدول التي دعت إلى وقف إطلاق النار خلال المواجهات الأخيرة، وأن الرئيس إيمانويل ماكرون بادر إلى طرح مشروع في مجلس الأمن بهذا الاتجاه. كما لفت إلى أن باريس دعمت باستمرار الحلول التفاوضية، وشددت على ضرورة حماية السيادة اللبنانية ورفض أي اعتداءات إسرائيلية أو محاولات لاحتلال أراض لبنانية.


وفي السياق نفسه، تحدث عن مبادرة فرنسية لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، كان من المقرر عقده سابقا قبل أن تؤجله التطورات العسكرية، مع توقع انعقاده في وقت لاحق، لما يشكله من أهمية في تعزيز قدرات الجيش وتمكينه من أداء مهامه، خصوصا في جنوب لبنان وعلى كامل الأراضي اللبنانية.


وفي معرض حديثه عن موقف فرنسا من حزب الله، أوضح طربيه أن السياسة الفرنسية تقوم على مقاربة مزدوجة تجمع بين الثبات في المبادئ والمرونة في الوسائل. فمن جهة، تؤكد فرنسا بشكل واضح ضرورة حصر سلاح الحزب بيد الدولة اللبنانية ورفض أي وجود لسلاح خارج إطار الشرعية، وتدعو بشكل متكرر إلى انتشار الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية على كامل الأراضي اللبنانية، بما يضمن بسط سلطة الدولة ومنع أي ازدواجية في القرارين العسكري والأمني، مشيرا، من جهة أخرى، إلى أن فرنسا تعتمد أسلوب الحوار والتدرج في معالجة هذا الملف، إذ ترفض بشكل قاطع اللجوء إلى القوة لنزع سلاح حزب الله، نظرا لما قد يترتب على ذلك من مخاطر اندلاع صدام داخلي يهدد السلم الأهلي ويعيد البلاد إلى دوامة العنف. وأكد أن هذا الموقف لا يعكس ترددا بقدر ما يعبر عن قراءة واقعية لتركيبة المجتمع اللبناني وتعقيداته السياسية والطائفية.


وقال إن فرنسا تميز بين الجناح السياسي لحزب الله، الذي يشارك في الحياة السياسية اللبنانية، وبين الجناح العسكري الذي تعتبره مصدر إشكال، وهو ما يفسر استمرار قنوات التواصل غير المباشرة مع مختلف الأطراف اللبنانية، في إطار السعي إلى إيجاد حلول تدريجية ومستدامة، مشددا على أن باريس تسعى إلى دمج هذا الملف ضمن مقاربة شاملة للإصلاح السياسي وتعزيز مؤسسات الدولة، بدلا من التعامل معه كقضية معزولة.


وفي ما يتعلق بالعلاقة مع إيران، أوضح طربيه أن فرنسا تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع طهران، وهو ما يمنحها هامشا من الحركة الدبلوماسية لا يتوافر لعدد من الدول الأخرىن مؤكدا أن باريس تحاول من خلال هذه القنوات الدفع باتجاه احترام السيادة اللبنانية وعدم استخدام الساحة اللبنانية كمنصة لتصفية الصراعات الإقليمية، مشيرا إلى أنّ الموقف الفرنسي يقوم على تشجيع إيران على لعب دور إيجابي يساهم في استقرار لبنان، من خلال دعم مؤسسات الدولة بدلا من دعم أي قوى مسلحة خارج إطارها. كما تسعى فرنسا إلى إقناع الجانب الإيراني بضرورة الفصل بين البعد السياسي والبعد العسكري في علاقته بحزب الله، بما يسهم في تخفيف حدة التوتر الداخلي والإقليمي.


ولفت إلى أن تمسك فرنسا بالحوار مع إيران يعود أيضا إلى حرصها على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، سواء في ما يتعلق بالملف اللبناني أو بالقضايا الإقليمية الأوسع، معتبرا أن هذا النهج يمنحها دورا وسيطا يمكن أن يكون مفيدا في لحظات التوتر. إلا أنه أقر، في الوقت نفسه، بأن تأثير هذا الدور يبقى محدودا في ظل توازنات القوى الدولية والإقليمية.


وفي معرض رده على الانتقادات التي توجه إلى فرنسا بشأن ما يوصف بتذبذب مواقفها، أقر طربيه بأن هذا الانطباع صحيح جزئيا، لافتا إلى أن الجالية اللبنانية في فرنسا والجمعيات الناشطة هناك سبق أن عبرت عن ملاحظاتها، خصوصا في ما يتعلق بملف انفجار مرفأ بيروت وقضية تحويل الأموال إلى الخارج. وأكد أن مطالبات عدة وجهت إلى السلطات الفرنسية لاتخاذ مواقف أكثر حزما، سواء عبر دعم التحقيقات أو من خلال مبادرات عملية، كالمساهمة في تسليح الجيش اللبناني.


وقال إنّ بعض التحفظات الفرنسية في هذا المجال تعود إلى اعتبارات سياسية وضغوط خارجية، لا سيما من الجانب الإسرائيلي، وهو ما يحد من قدرة باريس على اتخاذ قرارات مستقلة بالكامل في بعض الملفات، مشيرا إلى أنّ لبنان يعول على الدعم الدولي، وفي مقدمته الدعم الفرنسي، لكنه بحاجة في المقابل إلى إرادة داخلية قوية لاستعادة الدولة دورها ومؤسساتها.


في المحصلة، يتضح أن الدور الفرنسي في لبنان يبقى محكوما بتوازنات دولية وإقليمية معقدة تحد من فاعليته، على الرغم من ما تمتلكه باريس من نوايا إيجابية وأدوات تأثير. وبين التمسك بدعم استقرار لبنان والدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، والاستمرار في اعتماد الحوار مع مختلف الأطراف الإقليمية، تواصل فرنسا محاولاتها لإيجاد مساحة تحرك تسهم في تخفيف الأزمات. غير أن نجاح هذا الدور يبقى مرهونا بمدى توافر إرادة دولية متوازنة، وبقدرة اللبنانيين أنفسهم على الاستفادة من هذا الدعم لإعادة بناء دولتهم ومؤسساتهم.