تتزايد التساؤلات في الأوساط السياسية حول حقيقة الدور الذي قد يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وما إذا كان هناك قبول ضمني من قبله على الرغم من النفي الرسمي المتكرر.
وفي موازاة ذلك، تبرز دلالات زيارة النائب علي حسن خليل إلى المملكة العربية السعودية، وما تحمله من رسائل سياسية تتصل بالوضع الداخلي اللبناني والتوازنات الإقليمية. كما يطرح الجدل الذي أثير على خلفية الانتقادات التي طالت الرئيس بري من قبل مسؤول إيراني، وما استتبعها من ردود داخل حركة أمل، علامات استفهام حول طبيعة المرحلة وتعقيداتها.
في قراءة للمشهد السياسي اللبناني، أوضحت الباحثة والمحللة السياسية الدكتورة ميساء عبدالخالق أن الرئيس نبيه بري يعد أحد أركان الدولة اللبنانية، مشددة على أنه، على الرغم من ترؤسه حركة أمل، فإنه يبقى ركيزة أساسية ضمن بنية الدولة.
وكشفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المعلومات المتوافرة تشير إلى استمرار التواصل بينه وبين رئيس الجمهورية جوزاف عون حتى قبل الاجتماع التمهيدي الأخير في واشنطن، ما يعكس غياب أي انقطاع في قنوات الاتصال الرسمية، مشيرة إلى أن موقف بري، على غرار حزب الله، يميل إلى رفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل والالتزام بوقف إطلاق النار للعام 2024، مع التمسك بالعودة إلى آليات لجنة الميكانيزم، وهو ما يعكس دخول البلاد في مرحلة جديدة تتسم بالحساسية في تاريخ لبنان.
وفي سياق متصل، لفتت عبدالخالق إلى أن زيارة النائب علي حسن خليل إلى المملكة العربية السعودية تندرج ضمن مساعي البحث في المسار السياسي والحفاظ على الاستقرار الداخلي، بالتوازي مع الجهود الإقليمية والدولية الهادفة إلى احتواء التصعيد وفتح المجال أمام تسويات سياسية، سواء على المستوى الإقليمي أو في ما يتعلق بإمكان التوصل إلى وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، على الرغم من استبعاد ذلك في الوقت الراهن، في ظل استمرار التصعيد العسكري في الجنوب.
كما أكدت أن هذه التحركات تتزامن مع تواصل دبلوماسي بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي، ما يعكس وجود تقاطع إقليمي على ضرورة احتواء التصعيد والدفع نحو مخرج سياسي، مع التأكيد على عدم إخراج لبنان من مسار التسويات الجارية بين إيران والولايات المتحدة.
وفي الشأن الداخلي، شددت عبدالخالق على أن الرئيس بري يمثل محورا أساسيا ضمن معادلة المقاومة، مذكرة بالدور التاريخي الذي لعبته حركة أمل قبل بروز حزب الله، لا سيما في إسقاط اتفاق 17 أيار العام 1984 في عهد الرئيس أمين الجميل، معتبرة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يسعى إلى تكريس مسار جديد يقوم على استمرار الحوار مع الدولة اللبنانية بهدف إيجاد نقاط مشتركة، لا سيما في ظل قرار الدولة حصر السلاح بيدها، من دون ترك حزب الله وحيدا في مواجهة هذا القرار الذي تؤكد الحكومة أنه غير قابل للتراجع، وذلك في ظل ضغوط دولية تمارس على لبنان بضرورة تجريد الحزب من ترسانته العسكرية.
وطرحت تساؤلات حول إمكان عودة الرئيس بري للعب دور "الأخ الأكبر" في التفاوض غير المباشر نيابة عن حزب الله، في ظل انخراط إيران في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، معتبرة، في هذا الإطار، أن الخيار الأكثر واقعية قد يكون في التوجه نحو تسوية داخلية لبنانية تجنب البلاد أي اقتتال داخلي، في ظل إدراك مختلف الأطراف، بما فيها حزب الله والجيش اللبناني، لحساسية المرحلة. كما لم تستبعد طرح صيغ لاحتواء سلاح الحزب ضمن الإطار الشرعي للدولة، مع التأكيد أن هذا الطرح لا يزال مبكرا في ظل استمرار الاعتداءات.
وأوضحت عبدالخالق أن حزب الله يتمسك بخيار المقاومة باعتباره حقا مشروعا وفقا للقوانين والقرارات الدولية، خصوصا في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك التوغل في عشرات القرى الجنوبية، مؤكدة، في المقابل، أنّ الدولة اللبنانية تشدد على أنه لا يحق لأي طرف خارجي، بما في ذلك إيران، التفاوض نيابة عن لبنان، مع التمسك بمبدأ أولوية وقف الاعتداءات قبل الدخول في أي مفاوضات مباشرة. وأشارت إلى أن المفاوضات لا تزال في إطارها التمهيدي وأن الموقف الرسمي اللبناني أكد قبل اجتماع الثلاثاء "لا تفاوض تحت النار".
وقالت إن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات من قبل الرئيس بري لإعادة بناء جسور التواصل الداخلي وصياغة تسويات سياسية، إلا أن ذلك يبقى مرهونا بوقف التصعيد العسكري، باعتباره المدخل الأساسي لأي حل مستدام.
وفي الخلاصة، يسجل أن التمايز بين مواقف حزب الله وحركة أمل، لا سيما في ظل الحرب الراهنة، آخذ في الاتساع بشكل تدريجي، حتى وإن لم يتبلور بعد بصورة علنية كاملة. كما تشير بعض المؤشرات، بما فيها الانتقادات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين بحق نبيه بري، إلى وجود تباين متنام في المقاربات، قد ينعكس على طبيعة التوازنات السياسية في المرحلة المقبلة.