بعد انعقاد جلسة المفاوضات التمهيدية بين لبنان وإسرائيل في نيويورك، تبقى العبرة في تنفيذ مندرجات أي اتفاق مقبل محتمل، في ظل تعنت حزب الله ورفضه تسليم سلاحه، وإصراره على إبقاء لبنان رهينة بيد النظام الإيراني.
وتبرز، في هذا السياق، أزمة السيادة كعنوان أساسي في هذا المشهد، مع استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة وتأثيره المباشر على القرار الوطني.
وفي وقت تتعرض فيه البلاد لحرب إسرائيلية مدمرة وتصعيد ميداني، تتعمق الانقسامات حول خيارات المواجهة أو التفاوض، وسط مطالبات متزايدة باستعادة الدولة لدورها الكامل، وطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار وقدرة المؤسسات الرسمية على فرض سلطتها. ويبقى السؤال الجوهري والأبرز: إلى أين يقود حزب الله لبنان بشعبه ومؤسساته وكيانه؟
في هذا الإطار، رأى عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك أن المفاوضات المرتقبة لا تبدو في موقع سهل أو مريح، مشيرا إلى أن الدولة اللبنانية تواجه وضعا غير مسبوق في تاريخها، حيث تجد نفسها واقعة بين ضغوط خارجية وحصار داخلي، على الرغم من كونها صاحبة السيادة والحق في تقرير مصير شعبها.
ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن ما يحصل يشكل حالة شاذة، إذ لم يسبق أن دخل طرف داخلي في مواجهة مع خصم خارجي على حساب الدولة، لتتحول الأخيرة إلى رهينة بين التعنت الإيراني والتشدد الإسرائيلي. وقال إنّ التحدي الأساسي الذي يواجه الدولة اللبنانية اليوم يتمثل في قدرتها على استعادة صدقيتها، عبر امتلاك القرار والسيطرة على أوراقها، خصوصًا عند الدخول في أي عملية تفاوض، لافتا إلى أن موقف حزب الله الرافض لتسليم سلاحه ليس جديدا، بل هو موقف مستمر منذ فترة طويلة، ما يضعف موقع الدولة في أي مفاوضات محتملة.
وشدد يزبك على أن الدولة اللبنانية مطالبة أولا بالدفاع عن شعبها واستقرارها، والتأكيد على أنها الجهة الشرعية الوحيدة المخولة تمثيل اللبنانيين واتخاذ القرار السيادي، داعيا إلى أن تذهب الدولة إلى التفاوض برأس مرفوع ومن دون خوف، مع التأكيد على أن السلاح الخارج عن سلطة الدولة لا يهدد فقط الخارج، بل ينعكس أيضا تهديدا مبطنا في الداخل اللبناني.
وفي هذا السياق، رأى أن الدولة لا يجب أن تكتفي بالمطالبة بوقف إطلاق النار، بل عليها أن تتوجه إلى المجتمع الدولي، خصوصا إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، لطلب الانتقال من الفصل السادس إلى الفصل السابع في التعاطي مع الوضع اللبناني، نظرا لما تتعرض له من اعتداءات إسرائيلية ومن اختلال داخلي يهدد كيانها.
وأكد يزبك أن الحديث عن انقسام لبناني حاد حول مسألة السلاح والمفاوضات ليس دقيقا، مشددا على أن الغالبية الساحقة من اللبنانيين، والتي قدرها بنحو 85%، تريد الاستقرار والخلاص، وترى أن الأمر لا يتحقق إلا عبر مفاوضات السلام، في مقابل أقلية مسلحة تفرض واقعها على الأرض وتتحكم بقرار السلم والحرب.
وأشار إلى أن لبنان دفع على مدى عقود طويلة أثمانا باهظة من استقراره وشبابه ودمائه وسيادته في سياق الصراع المرتبط بالقضية الفلسطينية، ليجد نفسه اليوم في وضع أكثر خطورة، حيث بات ما تبقى من مقومات حياته مهددا نتيجة ارتباط هذا المسار بمشاريع إقليمية، معتبرا أن ما وصل إليه الوضع لم يعد مقبولا، وأن الاستمرار فيه لم يعد ممكنا.
وتطرق يزبك إلى مرحلة ما بعد بدء المفاوضات، متسائلا عن جدوى أي اتفاق في حال استمرار التعنت. وحذّر من أن هذا الأمر لم يعد يشكل خطرا على حزب الله فحسب، بل بات يهدد الدولة اللبنانية والشعب ككل، مشددا على ضرورة تحرك الدولة بشكل عاجل، عبر تفعيل دورها الدولي وطلب الدعم من أصدقاء لبنان، بالتوازي مع مسار التفاوض.
كما دعا إلى ضرورة تثبيت حضور الدولة على الأرض، عبر تحديد حدودها الجغرافية والسيادية بوضوح، وتمكين الجيش اللبناني من حماية المواطنين بمختلف انتماءاتهم، مشيرا إلى أن غالبية اللبنانيين من مختلف الطوائف ترفض الانجرار إلى الحرب وتتمسك بخيار الدولة والاستقرار.
وأكد يزبك على وجوب إظهار صورة واضحة للبنان القائم على السيادة والمؤسسات، في مقابل واقع مفروض بقوة السلاح، مشددا على أن اللحظة الراهنة تتطلب موقفا وطنيا جامعا يعيد الاعتبار للدولة ويضع حدا لمسار الانهيار.
وفي الخلاصة، فإن المرحلة الراهنة دقيقة ومفصلية، وتتطلب قرارات حاسمة تعيد للدولة دورها وسيادتها، وتفتح الباب أمام مسار استقرار حقيقي ينشده اللبنانيون.