يمر لبنان بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها الذاكرة الثقيلة للحرب الأهلية مع واقعٍ داخلي يتسم بتوترات سياسية وأمنية متصاعدة، في ظل مخاوف متجددة من اهتزاز الاستقرار وإمكانية انزلاق البلاد نحو مشهدٍ يعيد إلى الذاكرة بعضًا من صور الماضي، وإن بصيغٍ مختلفة.
وفي هذا السياق، يزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد مناخ سياسي متشنج يتجلى في حملاتٍ واستهدافات تطال مواقع دستورية أساسية، وفي مقدمها رئاسة الحكومة ورئيسها نواف سلام، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول انعكاس هذا الخطاب على منسوب التماسك الداخلي وقدرة الدولة على احتواء التوترات.
فإلى أي حد لا تزال ذاكرة 13 نيسان تشكل عامل كبحٍ داخليًا يمنع تكرار مشاهد الانقسام والعنف؟
انطلاقًا من هذه الأجواء، قدم رئيس مجلس التنسيق المسيحي الدكتور فؤاد أبو ناضر مقاربةً شاملة للذاكرة اللبنانية ولواقع البلاد اليوم، في ضوء الذكرى المرتبطة بـ13 نيسان، وما يرافقها من هواجس متجددة حول الاستقرار الداخلي.
وأوضح، عبر منصة بالعربي"، ضرورة تصحيح القراءة الشائعة للتاريخ، معتبرًا أن الحرب اللبنانية لم تندلع فجأة في 13 نيسان 1975، بل إن هذا التاريخ لم يكن سوى "صاعق" لانفجار تراكمات بدأت منذ توقيع اتفاق القاهرة عام 1969، مشيرًا إلى أن المسار تعمق أكثر بعد خسارة العرب في حرب 1967. حينها بدأ الفلسطينيون تكثيف العمل العسكري ضد إسرائيل من جنوب لبنان، ما أدى إلى تحول منظمة التحرير الفلسطينية إلى "دويلة داخل الدولة"، وانفلات العمل الفدائي المسلح على الأراضي اللبنانية كافة، وهو ما هدد سيادة الدولة وهويتها. واعتبر أن هذا الواقع هو ما دفع المسيحيين، من منطلق وجودي، إلى حمل السلاح دفاعًا عن الكيان والخصوصية اللبنانية.
وفي ما يخص الوجدان المسيحي اليوم، رأى أبو ناضر أن الخوف من 13 نيسان لم يعد خوفًا من "الآخر" كشخص، بل أصبح خوفًا مشروعًا على صيغة لبنان. وأضاف أن المجتمع المسيحي يعيش هذه الذاكرة اليوم من خلال التمسك بمؤسسات الدولة الشرعية، انطلاقًا من قناعة تاريخية بأن غياب الدولة وضعف سيادتها يقودان إلى الانفجار.
وعن واقع الشارع اللبناني، أشار إلى أن البلاد تعيش اليوم حالة من الانقسام العمودي الحاد، لافتًا إلى أن مستويات التشنج بين المكونات المختلفة بلغت درجات مقلقة، معتبرًا أن ما شهدته بعض شوارع بيروت وغيرها من إشكالات متنقلة يعكس أن "فتيل" الاحتقان بات جاهزًا للاشتعال عند أي احتكاكٍ بسيط.
وتوقف عند ملف النزوح الداخلي، مشددًا على أنه يشكل تحديًا كبيرًا، ليس فقط من زاويته الإنسانية، بل أيضًا بسبب هواجس تتعلق بإمكانية التغيير الديموغرافي المؤقت أو الدائم، إضافةً إلى الضغط على الموارد والبنى التحتية في المناطق المضيفة. وأضاف أنه، في حال عدم تنظيم هذا الملف بحكمة، فإنه قد يتحول إلى مادة دائمة للاحتكاك اليومي الذي يغذي التوتر. كما رأى أن العبء الأكبر في هذه المرحلة يقع على عاتق الأجهزة الأمنية والعسكرية، معتبرًا أن المطلوب لا يقتصر على فض النزاعات، بل يتعداه إلى الاستباق الأمني لمنع الفلتان.
وفي ما يتعلق بالوضع النفسي العام، قال إن اللبنانيين يعيشون اليوم قلقًا وجوديًا عميقًا يتجاوز الخوف التقليدي ليلامس جوهر البقاء وديمومة الحياة في هذا الوطن. وأوضح أن هناك إجماعًا شعبيًا عابرًا للطوائف يرفض الانجرار مجددًا إلى دوامة العنف، ويرفض كذلك توريط لبنان في صراعاتٍ لا قرار للدولة فيها، وتحديدًا ما وصفه بحروب "المساندة" التي يخوضها حزب الله لصالح غزة أو الأجندات الإيرانية. واعتبر أن اللبناني اليوم بات منهكًا ومستنزفًا، ولم يعد يبحث إلا عن الاستقرار والسيادة بعيدًا عن صراعات المحاور.
وأضاف أن نحو 80% من اللبنانيين يشعرون بالرعب من عجز الدولة عن ممارسة سيادتها الكاملة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية واحتكار قرار السلم والحرب. ونوه بأن هذا الغياب يجعل المواطن مكشوفًا أمنيًا وسياسيًا أمام أي عاصفة إقليمية، لافتًا إلى أن القلق الوجودي اليوم يتجسد أيضًا في العجز عن تحمل الأعباء الاقتصادية للحروب، حيث تعني الحرب للأهالي انقطاع التعليم، وفقدان الوظائف، وهجرة الأبناء، في ما وصفه بـ"التهجير الصامت" الذي يهدّد البنية الاجتماعية للبنان.
كما شدد على أن تعزيز الثقة بالدولة القوية والمقتدرة يرسخ قيم العدالة والاستقرار، ويعزز الانتماء إلى المؤسسات الرسمية على حساب الولاءات الضيقة، معتبرًا أن وجود الدولة هو الضمانة لردع أي عدوان، ولمنع الحروب الداخلية، ولتعزيز موقع لبنان دوليًا.
وفي ما يخصّ أسباب عدم انزلاق البلاد إلى مواجهةٍ داخلية شاملة حتى الآن، قال أبو ناضر إن الأمر لا يعود إلى الاستقرار أو "الترف"، بل إلى تداخلٍ معقد بين وعيٍ مجتمعي مرير وواقع ميداني غير متكافئ. وأوضح أن اللبنانيين، ولا سيما من عاشوا الحرب، يمتلكون مناعةً ضد تكرار التجربة، وأن هناك شريحة واسعة ترفض أن تكون وقودًا لمشاريع انتحارية، مشددًا على أن هذا الوعي يشكل "صمام أمان" حقيقيًا، في ظل إرهاقٍ اقتصادي ونفسي يجعل أي انفجارٍ داخلي مكلفًا للغاية.
وفي ما يتعلق بالهجوم على رئاسة الحكومة، شدد على أن هذا الموقع يمثل الركن الأساسي للشراكة الوطنية والموقع السني الأول في هيكلية الدولة اللبنانية، معتبرًا أن أي استهداف له لا يطاول شخص الرئيس فقط، بل يمس توازنات ميثاقية دقيقة. وأشار إلى موجة التضامن الواسعة التي حظي بها رئيس الحكومة نواف سلام من دار الفتوى والقيادات السنية، إضافة إلى شرائح واسعة من مختلف المكونات، معتبرًا أن ذلك يعكس أن الاستهداف طال فكرة الدولة نفسها.
ورأى أن القرار الذي اتخذه الرئيس نواف سلام بشأن حصر السلاح في العاصمة بيروت يشكل خطوةً جوهرية في مسار استعادة هيبة الدولة، ويتقاطع مع موقف رئاسة الجمهورية القائم على حصرية تمثيل الدولة للبنانيين في القرار والتفاوض، بما يعزز منطق السلطة المركزية.
وختم أبو ناضر بالتشديد على أن الصراع في لبنان لم يعد صراعًا مسيحيًا – إسلاميًا كما في السابق، بل هو صراع عمودي بين مشروعين: مشروع الدولة التي تسعى إلى بسط سلطتها وفرض الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، ومشروع "الدويلة" الذي يتمثل بحزب الله، والذي يصرّ على مصادرة قرار السلم والحرب وربط البلاد بأجندات إقليمية إيرانية.
في المحصلة، ورغم ما يشهده المشهد اللبناني من توتراتٍ سياسية وتحركات ومحاولات لاستفزاز الشارع من أكثر من جهة، فإن المعطيات الراهنة تشير إلى أن المزاج العام لا يزال يرفض الانجرار إلى أي مسارٍ قد يعيد إنتاج الحرب الأهلية.
فالذاكرة التي يحملها اللبنانيون، وإن كانت حاضرة بما فيها من ألم، تبدو اليوم أقرب إلى عامل تذكيرٍ وتحذير، في ظل وعيٍ متنامٍ لدى مختلف المكونات اللبنانية بضرورة تجنّب الفتن والحفاظ على الاستقرار.