في لحظةٍ يبدو فيها لبنان عالقًا بين أنقاض الحرب وضغوط التسويات، تتسارع المؤشرات على أن ما كان يُعتبر "ثابتًا" لعقود بات اليوم على طاولة السقوط. السلاح، السيادة، ودور القوى الإقليمية لم تعد خطوطًا حمراء، بل ملفات مفتوحة على إعادة صياغة قسرية تفرضها موازين القوة الجديدة. وبين من يرى في ما يجري انهيارًا، ومن يقرأه كبداية مرحلة مختلفة، تبرز أسئلة صادمة: هل يقترب زمن نهاية الأدوار العسكرية داخل لبنان؟ وهل باتت السيادة مشروطة باتفاق لم يكن يومًا مطروحًا؟
في قراءة سياسية لافتة للتحولات المتسارعة في لبنان والمنطقة، اعتبر مؤسس "دار الحوار" الصحافي بشارة خيرالله أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغييرات جذرية في بنية المشهد اللبناني، لا سيما على مستوى دور حزب الله العسكري، الذي يرى أنه قد لا يبقى بصيغته الحالية.
وأوضح في حديث عبر منصة 'بالعربي"، أنه لا يعتقد بإمكانية استمرار ما يُعرف بـ"حزب الله العسكري" في لبنان، مرجحًا أن يتجه الحزب نحو إعادة إنتاج نفسه بصيغة مختلفة، سواء عبر تغيير اسمه أو إعادة تموضعه السياسي، على غرار تجارب أحزاب أخرى في المنطقة تحوّلت من أدوار عسكرية إلى أطر سياسية.
وربط خيرالله عودة السيادة اللبنانية بمسار واضح، قائلاً إن هذه السيادة "مرهونة بالذهاب إلى اتفاق سلام"، في إشارة إلى أن التطورات الحالية تدفع لبنان نحو خيارات كانت تُعتبر في السابق من المحظورات السياسية. ولفت إلى أن إسرائيل ترى نفسها اليوم وقد حققت إنجازات استراتيجية كانت تطمح إليها منذ سنوات، معتبرًا أن هذه المكاسب لم تأتِ نتيجة توازنات تقليدية، بل "قُدمت لها على طبق من فضة"، ما يجعلها غير مستعدة للتخلي عنها بسهولة أو مجانًا.
وفي هذا السياق، شبّه خيرالله الوضع الحالي بأن إسرائيل "ربحت اللوتو"، وبالتالي لن تتنازل عن هذه "الجائزة" من دون مقابل، مرجحًا أن يكون هذا المقابل في إطار اتفاق سلام مع لبنان، يكرس واقعًا سياسيًا وأمنيًا جديدًا في المنطقة.
وعن موقف اللبنانيين، رأى خيرالله أن مسألة القبول بالسلام قد تتحول من خيار مستبعد إلى واقع مفروض، في ظل تصاعد الضغوط الأمنية والعسكرية والاقتصادية، إضافة إلى الضغط الدولي والعربي، معتبرًا أن هذه العوامل مجتمعة ستدفع تدريجيًا نحو إنهاء المرحلة التي أوصلت لبنان إلى أزماته الحالية. وقال في هذا الإطار إن "ما كان مستحيلًا بالأمس، قد يصبح ممكنًا اليوم، وحتميًا غدًا".
أما على صعيد إيران، فقد قدم خيرالله قراءة مختلفة لمسار الأحداث، معتبرًا أن النظام الإيراني يتجه نحو تعديل سلوكه وليس تغييره بالكامل. وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بقدر ما تريد التوصل إلى صيغة يمكن التعاطي معها، ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب داخلية في إيران نفسها.
وفي هذا السياق، رأى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في "تقليم أظافر" الحرس الثوري، بما يعزز دور الجيش الإيراني ويؤسس لنموذج جديد داخل النظام، قادر على الانخراط في تفاهمات مع الولايات المتحدة، على غرار ما حصل في تجارب دول أخرى.
وختم خيرالله بالإشارة إلى أن المنطقة بأسرها تتجه نحو إعادة رسم موازين القوى، وأن لبنان سيكون في قلب هذه التحولات، ما يفرض على القوى السياسية واللبنانيين الاستعداد لمرحلة مختلفة كليًا، قد تحمل معها خيارات صعبة، لكنها باتت أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.