يعيش لبنان مرحلةً شديدة الحساسية في ظل الحرب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، ما يضع مؤسسات الدولة أمام اختبار حقيقي لدورها ومسؤولياتها. وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي المجلس النيابي، الذي يُفترض أن يكون في حالة انعقاد دائم لمواكبة التطورات واتخاذ قرارات سريعة تُخفف من تداعيات الحرب على البلاد والعباد.
إلا أن المشهد السياسي يوحي بغيابٍ واضح لدوره الفاعل في هذه المرحلة، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا الجمود وحدود المسؤولية السياسية والتشريعية للنواب. فهل يعود ذلك إلى الانقسامات السياسية والشلل الداخلي، أم إلى اعتبارات أخرى عطّلت عمل المجلس في لحظة وطنية حرجة؟
وفي هذا السياق، أوضح النائب مارك ضو أن المجلس شبه مغلق بسبب الأوضاع الأمنية، وثانياً لأن مشاريع القوانين الواردة من الحكومة قليلة خلال هذه الفترة. كما أشار إلى أن اللجان النيابية لا تعقد اجتماعاتها بانتظام، لافتا إلى أن بعض النواب، ومنهم نواب حزب الله وغيرهم، لديهم مسؤوليات ميدانية كبيرة تتعلق بمساعدة النازحين وتأمين الإيواء والخدمات، ما يعني أنه ليس لدى الجميع القدرة أو الوقت نفسه للعمل البرلماني في هذه المرحلة.
أما في ما يتعلق بغياب المجلس النيابي عن المشهد، وما إذا كان نتيجة شلل سياسي وانقسامٍ داخلي، فأكد ضو في حديث عبر منصة "بالعربي" أن هناك بالفعل شللاً سياسيًا، هدفه تجنب حصول اشتباكاتٍ أو مزايداتٍ سياسيةٍ داخل المجلس خلال الجلسات العامة. وأضاف أنه يختلف في هذا الرأي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يبرر إغلاق المجلس بعدم زيادة الشرخ الداخلي. وبرأيه، فإن هذا النقاش ضروري في أي دولة، ويجب أن يكون هناك توجه سياسي واضح. ورجح أن تُعقد اجتماعات قريبًا لبعض القضايا الضرورية، مثل إقرار قرض برنامج "أمان"، من بين القروض القادمة من البنك الدولي، التي يحتاج إليها لبنان بشدة في هذه المرحلة.
وفي ما يتعلق بالدور الفعلي الذي يجب أن يلعبه المجلس اليوم، شدد ضو على أن الدور الرقابي هو الأساس، خصوصًا تجاه الوزارات المعنية بإدارة الأزمة. وذكر على سبيل المثال وزارة الاقتصاد في ما يتعلق بالأسعار، ووزارة المالية في ما يخص إيرادات الدولة والمعاشات، ووزارة الشؤون الاجتماعية في ملف النزوح، إضافةً إلى وزارة التربية والتعليم في ما يتعلق بالامتحانات. وأكد أن جميع اللجان النيابية لديها عمل كبير للحفاظ على مستوى معيشة اللبنانيين وإدارة الأزمة، وهو ما يتطلب تفعيل دور المجلس بشكلٍ أكبر.
وعن سبب عدم عقد جلساتٍ طارئةٍ أو إصدار قوانين سريعة لمعالجة تداعيات الحرب على الاقتصاد والأمن ومعيشة المواطنين، أوضح ضو أن كثيرًا من هذه القضايا يدخل في إطار العمل التنفيذي للحكومة، مشيرًا إلى أنه ضمن الظروف الحالية لا توجد قوانين طارئة كثيرة يمكن إقرارها، إلا في حالاتٍ محددةٍ مثل نقل الاعتمادات داخل الموازنة من بندٍ إلى آخر.
أما حول ما إذا كان المجلس النيابي قد تحول اليوم إلى مؤسسةٍ غائبةٍ عن إدارة الأزمة بدلًا من أن يكون غرفة طوارئ تشريعية لمواكبة الحرب، فأوضح ضو أنه لا يرى أن التشريع يتحول بطبيعته إلى حالة طوارئ، إذ نادرًا ما يكون التشريع طارئًا بحد ذاته، بل تكون هناك مشاريع قوانين معجلة عند الضرورة. وبرأيه، فإن الأولوية اليوم هي تأمين المقومات التي تمكن الحكومة من معالجة الأزمة وإدارتها بالشكل الصحيح.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة المؤسسات الدستورية في لبنان على مواكبة التحديات الاستثنائية التي يمر بها البلد. وبين الاعتبارات الأمنية والانقسامات السياسية ومتطلبات العمل التنفيذي، يبدو أن تفعيل دور المجلس النيابي رقابيًا وتشريعيًا يشكل خطوةً أساسيةً لضمان إدارة أكثر فعالية للأزمة، خصوصًا في مرحلة يحتاج فيها اللبنانيون إلى قرارات سريعة وواضحة تُخفف من تداعيات الحرب وتعيد الثقة بدور الدولة ومؤسساتها.