في ظل التهديد الإسرائيلي بضرب معبر المصنع الحدودي، برزت معلومات عن اتصالات حصلت لتأجيل هذه الضربة، إلا أن تأجيلها لا يعني بالضرورة أنها ألغيت نهائيا. فاستهداف إسرائيل المعبر قد يفتح الباب أمام سيناريو جديد يتمثل ببدء عملية حصار تدريجية للبنان، من خلال قطع أوصاله البرية مع سوريا.
وفي هذا السياق، قد يشكل استهداف المصنع بداية مسار تصعيدي أوسع، قد يمتد ليشمل ضرب ما تبقى من المرافق الحيوية، كالمرافئ أو حتى مطار بيروت، ما يضع البلاد أمام مرحلة أكثر خطورة من التصعيد العسكري البري والبحري والجوي.
وفي هذا الإطار، أوضحت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري أن التهديد الإسرائيلي باستهداف المصنع يحمل في طياته هدفين أساسيين، مشيرة إلى أنّ الهدف الأول يتمثل في ضرب أو فصل منطقة البقاع عن باقي المناطق اللبنانية. واعتبرت أن هذا الأمر يدخل ضمن الخطة الإسرائيلية في الحرب الحالية، لافتة إلى أنّها كانت من بين الذين حذروا منذ بداية الحرب، وتحديدا بعد حرب العام الماضي التي استمرت 66 يوما، من أن إسرائيل تسعى إلى إعادة تفعيل مشروعها الأمني في لبنان.
وقالت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن التسوية التي توصلوا إليها آنذاك كانت تقضي بتعهد الدولة اللبنانية بحصر السلاح، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق، ما أدى إلى دخول لبنان مجددا في الحرب المرتبطة بالصراع الإيراني – الإسرائيلي، ليصبح بذلك ورقة ضغط تستخدمها طهران وتل أبيب في آن واحد، معتبرة أنّ هذا الواقع أعطى إسرائيل التوقيت الذي كانت تبحث عنه لإعادة طرح مشروعها القائم على فرض منطقة عازلة، أو توسيع السيطرة العسكرية ابتداءً من جنوب الليطاني وصولا إلى البقاع الغربي، وربما إلى كامل منطقة البقاع. ومن هنا، تضع تهديد ضرب معبر المصنع ضمن هذا السياق العسكري الأوسع، الذي قد يهدف إلى السيطرة على كامل الشريط الممتد من المصنع إلى جنوب الليطاني.
أما الهدف الثاني، بحسب الحريري، فيتمثل في ممارسة ضغط سياسي وأمني واقتصادي كبير على لبنان. فاستهداف معبر المصنع، في حال حصوله، لن يقتصر تأثيره على عزل المناطق اللبنانية عن بعضها البعض، بل قد يؤدي إلى عزل لبنان بالكامل عن محيطه، موضحة أنّ سوريا تمثل اليوم المنفذ البري الوحيد للبنان، وبالتالي فإن ضرب المعبر سيؤدي عمليا إلى فرض حصار بري على البلاد، قد يطول أو يقصر زمنه، لكنه في كل الأحوال سيشكل ضغطا إضافيا على الدولة اللبنانية، ويرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية للحرب.
وفي هذا الإطار، لفتت إلى أن الحديث دار عن اتصالات دبلوماسية لتأجيل الضربة، بينها دور سوري تمثل باتصالات قام بِها الرئيس السوري أحمد الشرع بالجانب الأميركي، حيث قدم تطمينات تفيد بعدم وجود أنفاق أو ممرات لتهريب السلاح في المنطقة، وأن المعبر يخضع لسيطرة الجانب السوري، معتبرة أنّ تجاوب واشنطن مع هذه المساعي يعكس مستوى الثقة الأميركية بالجانب السوري، في مقابل غياب الثقة بالدولة اللبنانية. وأشارت إلى أنّ الإدارة الأميركية لم تتجاوب مع الاتصالات اللبنانية إلا بعد تدخل الجانب السوري.
وشددت الحريري، في الوقت نفسه، على أن تجميد الضربة لا يعني سقوطها نهائيا، إذ لا تزال احتمالات التصعيد قائمة، خصوصا وأن السيطرة على الحدود الممتدة من المصنع إلى الجنوب تبقى جزءا من الرؤية الإسرائيلية الأمنية.
وعن التداعيات المحتملة، حذرت الحريري من أن دخول هذه المنطقة ضمن دائرة الاستهداف الإسرائيلي سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية في لبنان، لافتة إلى أنّ البلاد تشهد أصلا موجة نزوح واسعة تجاوزت المليون شخص من الضاحية الجنوبية ومنطقة جنوب الليطاني، إضافة إلى قرى في شمال الليطاني وبعض مناطق البقاع الغربي.
ورأت أن استهداف المصنع قد يؤدي إلى موجة نزوح أكبر، ما سيضع ضغوطا إضافية على قدرة الدولة الاستيعابية وعلى المجتمع اللبناني ككل، في ظل التدهور الاقتصادي الحاد وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، مشيرة إلى أنّ الحرب الدائرة في المنطقة، لا سيما التوترات في الخليج، بدأت تؤثر أيضا على تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، وهي تشكل أحد أبرز مصادر دعم الاقتصاد اللبناني.
وحذرت الحريري من أن استمرار الحرب واتساع رقعة الاستهدافات قد يؤديان إلى تدهور الوضع الأمني الداخلي، مع احتمال ارتفاع معدلات الجريمة والسرقات، خصوصا في ظل الهشاشة الأمنية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد.
وعلى المستوى السياسي، توقعت ازدياد الضغوط على الدولة اللبنانية وعلى المجتمع المنقسم أساسا حول الحرب، مشيرة إلى أن غالبية اللبنانيين يرفضون الانخراط في هذه المواجهة ودفع أثمانها.
وتحدثت الحريري إلى وجود تباينات داخل مؤسسات الدولة حول كيفية إدارة الأزمة، سواء على مستوى الحكومة أو رئاسة الجمهورية أو المؤسسة العسكرية، معتبرة أن استمرار هذه الانقسامات يضعف قدرة الدولة على إدارة الحرب أو التفاوض بشأن وقفها.
ورأت أن استمرار التصعيد يرتبط بشكل أساسي بفشل الدولة اللبنانية في فرض قراراتها، خصوصا في ما يتعلق بحصر السلاح واستعادة الثقة الداخلية والخارجية بها.
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، أشارت الحريري إلى وجود احتمالين أساسيين: الأول يتمثل في استمرار الحرب، في ظل تمسك حزب الله بمواصلة إطلاق الصواريخ ورفض إسرائيل وقف العمليات العسكرية، ما قد يقود إلى مزيد من الدمار والاحتلال والأزمات في لبنان. أما السيناريو الثاني فيرتبط بإمكان التوصل إلى تسوية إقليمية، لا سيما إذا توقفت الحرب في إيران، وهو ما قد ينعكس على الساحة اللبنانية. غير أن هذا السيناريو، بحسب الحريري، يبقى معقدا، إذ تسعى إيران إلى تضمين لبنان في أي اتفاق محتمل، بهدف تثبيت نفوذها فيه واستخدامه كورقة ضغط في المفاوضات الإقليمية.
وحذرت من أن ربط مصير لبنان بالتسوية الإيرانية قد يؤدي إلى أزمة سياسية وديبلوماسية عميقة، لأنه يكرس صورة لبنان كجزء من النفوذ الإيراني، وهو أمر ترفضه شريحة واسعة من اللبنانيين، مؤكدة أنّ لبنان يقف اليوم أمام سيناريوهات خطيرة، سواء استمرت الحرب أو توقفت. واعتبرت أنّ الحل الوحيد يكمن في أن تستعيد الدولة اللبنانية دورها الكامل، وتفرض قراراتها السيادية، وتعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة الصراع القائم.
في الخلاصة، يعكس التهديد باستهداف معبر المصنع خطورة المرحلة التي يمر بها لبنان، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية في مشهد إقليمي شديد التعقيد. فلبنان اليوم يقف على حافة مرحلة قد تكون أكثر قسوة، في ظل استمرار الحرب وتزايد احتمالات توسعها. وبين الانقسام الداخلي والتجاذبات الإقليمية، تبدو البلاد بأمسّ الحاجة إلى موقف وطني موحّد يعيد الاعتبار لدور الدولة ومؤسساتها، ويضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، لأن حماية الاستقرار الداخلي تبقى الشرط الأساس لمنع تفاقم الأزمات والانزلاق نحو المجهول.