April 06, 2026   Beirut  °C
سياسة

جنوب لبنان على فوهة التصعيد… العميد المتقاعد عادل مشموشي يكشف: تغيير ديموغرافي بالنار!

إلى أين تتجه الأوضاع على الجبهة الجنوبية، وما هو مصير لبنان في ظل التصعيد المتسارع؟ تساؤلات تفرض نفسها بقوة بعد إعلان إسرائيل نيتها تفريغ منطقة جنوب الليطاني من أهلها وتدمير القرى بالكامل لمنع عودة سكانها إليها. فهل تكتفي إسرائيل بهذه المنطقة، أم أن طموحاتها تمتد إلى ما هو أبعد شمال النهر؟ وما هي حدود هذا التصعيد المفتوح؟

كذلك، يبرز سؤال أساسي حول مدة الحرب بين إسرائيل وحزب الله، لا سيما في ضوء تقديرات إسرائيلية تشير إلى احتمال استمرارها لأشهر عدة، ربما حتى أيلول المقبل، ما ينذر بمرحلة طويلة من التوتر وعدم الاستقرار.

في قراءة للتطورات الجنوبية، أكد العميد المتقاعد الدكتور عادل مشموشي أن الأوضاع في جنوب لبنان تتجه نحو مزيد من التعقيد والتصعيد، في ظل إصرار إسرائيل على فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، موضحا أنّ هذا التوجه يعكس إستراتيجية واضحة تقوم على التعامل مع كل جبهة على حدة، بما يسمح لإسرائيل بتحقيق أهدافها العسكرية والسياسية من دون الارتباط بأي تسويات إقليمية شاملة.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن إسرائيل أعلنت بشكل صريح نيتها تدمير القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني، إضافة إلى الحقول والبنى التحتية، بما يمنع عودة مئات الآلاف من السكان إلى مناطقهم، معتبرا أنّ هذا التوجه يشكل تصعيدا خطيرا، إذ يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي وأمني في تلك المناطق، بما يخدم الرؤية الإسرائيلية طويلة الأمد.


وفي قراءته للمرحلة المقبلة، لفت مشموشي إلى أن مسألة فصل الجبهات كانت متوقعة، مشيرا إلى أن إسرائيل تعتمد هذا الأسلوب منذ سنوات، حيث تسعى دائما إلى إستفراد خصومها كل على حدة. وقال إنّ ما حصل في قطاع غزة، ومن ثم الانتقال إلى الساحة اللبنانية، يعكس هذا النهج القائم على تفكيك مراكز القوة لدى الأطراف المعادية تباعا.


وأوضح أن ما يحدث حاليا على الجبهة اللبنانية من تصعيد متبادل لا يعكس بالضرورة الجهد الأساسي، الذي يتركز، بحسب تقديره، على الجبهة الإيرانية، مؤكدا أنّ الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى تحقيق أهداف إستراتيجية أوسع، تتجاوز مجرد الصراع مع إيران، لتشمل السيطرة على مصادر الطاقة وتعزيز نفوذها على المستوى العالمي، بما يكرس نظاما دوليا أحاديا.


وقال مشموشي إنّ التوجه الأميركي يتعارض مع مساعي قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا، التي تعمل على ترسيخ نظام متعدد الأقطاب، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي والدولي، مشيرا، في هذا السياق، إلى أنّ الساحة اللبنانية تبقى إحدى ساحات الضغط المتبادلة بين هذه القوى.


أما على الصعيد اللبناني، فرأى أن إسرائيل تعتمد مسارين متوازيين في تعاملها مع الوضع، الأول يتمثل في ممارسة ضغوط نفسية واجتماعية وأمنية على الدولة اللبنانية، والثاني يتمثل في الضغط العسكري المباشر على حزب الله، معتبرا أنّ إسرائيل تحاول من خلال ذلك إظهار عجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها الكاملة، مقابل عدم إستعداد حزب الله للتخلي عن سلاحه.


وأشار مشموشي إلى أن هذا الواقع يضع لبنان أمام تحديات كبيرة، خصوصا في ظل استمرار العمليات العسكرية وإحتمال توسعها، لافتا إلى أنّ الحديث عن وقف شامل للأعمال الحربية لا يزال بعيد المنال، في ظل تباين المواقف بين مختلف الأطراف، حيث تربط بعض الجهات وقف التصعيد بإنهاء المواجهات على كل الجبهات، وهو ما لا يبدو أن إسرائيل توافق عليه في الوقت الراهن.


وفي ما يتعلق بمدة الحرب، اعتبر أن المعركة على الجبهة اللبنانية قد تستمر لفترة غير قصيرة، خصوصا إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية وصولا إلى نهر الليطاني أو حتى إلى مناطق أبعد، مشيرا إلى أنّ إدخال بطاريات مدفعية إلى داخل الأراضي اللبنانية يحمل دلالات خطيرة، إذ يعكس ثقة إسرائيل بقدرتها على تثبيت مواقعها، كما يشير إلى نيتها إنشاء نطاق ناري دائم ضمن مدى هذه المدفعية.


وأوضح مشموشي أنّ استخدام المدفعية الثقيلة، التي يتراوح مداها بين 18 و30 كيلومترا، يعني عمليا فرض منطقة عازلة بالنار، ما يمنع عودة السكان إلى قراهم، معتبرا أنّ هذا الإجراء يؤكد جدية إسرائيل في تغيير الواقع الميداني بشكل جذري.


كما أشار إلى أن أحد الأهداف الرئيسية لإسرائيل يتمثل في القضاء على القدرات الصاروخية لحزب الله، لمنع تكرار سيناريوهات مشابهة لما حدث في "طوفان الأقصى"، لافتا إلى أنّ هذه القدرات لا تقتصر على مناطق الجنوب، بل تمتد إلى مناطق أخرى، ما قد يدفع إسرائيل إلى توسيع نطاق عملياتها لتشمل مناطق إضافية، بما فيها البقاع.


وفي هذا السياق، حذر مشموشي من أن أي توسع في العمليات العسكرية سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على مختلف المستويات، خصوصا في ظل هشاشة الوضع الداخلي في لبنان، مؤكدا أنّ التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة اللبنانية يتمثل في إدارة ملف النازحين، الذين يقدر عددهم بمئات الآلاف.


وأوضح أن تركّز أعداد كبيرة من النازحين في مناطق محددة، مثل بيروت وإقليم الخروب، قد يؤدي إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية وأمنية كبيرة، إذا يدار هذا الملف بشكل فعال، داعيا إلى ضرورة وضع خطط عاجلة للتعامل مع هذه الأزمة، بما يخفف من تداعياتها على المجتمع اللبناني.


وشدد مشموشي على أن المرحلة المقبلة تتطلب أعلى درجات التنسيق والوعي الوطني، محذرا من خطورة الإنزلاق نحو مزيد من التصعيد من دون وجود رؤية واضحة للخروج من الأزمة.


تبقى الأوضاع في جنوب لبنان مفتوحة على مختلف الإحتمالات، في ظل تشابك العوامل المحلية والإقليمية، ما يستدعي مقاربة شاملة تقوم على إدارة الأزمات بحكمة ومسؤولية، حفاظا على الإستقرار الوطني.