أثار قرار الجيش اللبناني إخلاء مراكزه في بلدتي رميش وعين إبل في جنوب لبنان حالة من القلق والرفض لدى الأهالي، الذين جددوا تمسكهم بالبقاء في أرضهم ورفض مغادرتها تحت أي ظرف.
وقد أعاد هذا التطور إلى الواجهة تساؤلات ملحة حول الأسباب التي تدفع الجيش والقوى الأمنية إلى مغادرة هذه القرى في هذا التوقيت الحساس، ومن سيتولى مسؤولية حماية السكان في ظل هذه الظروف. كما يطرح هذا الواقع علامات استفهام حول الجهة التي تتخذ مثل هذه القرارات داخل المؤسسة العسكرية، وما إذا كانت تأتي ضمن سياق انسحاب كامل أم في إطار إعادة تموضع وانتشار تفرضها المعطيات الميدانية.
وفي وقت لاحق أمس، أصدرت قيادة الجيش بيانا، أكدت فيه أن الجيش اللبناني ينفذ "إعادة تموضع" وليس انسحابا من تلك المناطق، موضحة أن الجيش "سيواصل الوقوف إلى جانب الأهالي وفق الإمكانات المتاحة".
في هذا السياق، أكد العميد المتقاعد جوني خلف أن ما يتداول في الساعات الأخيرة حول انسحاب وحدات من الجيش اللبناني من بعض المناطق الجنوبية لا يستند إلى أي بيان رسمي صادر عن قيادة الجيش، مشيرا إلى أن المعلومات المتداولة حتى الآن تندرج في إطار المشاهدات الميدانية والتسجيلات المصورة التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يمكن الجزم بصحتها الكاملة من دون توضيح رسمي.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن ما ظهر من تحرك للآليات والعناصر العسكرية في مناطق مثل عين إبل وغيرها قد يفسر في سياق إعادة تموضع أو إعادة انتشار تكتيكي، وهو أمر طبيعي في العمل العسكري، خصوصا في ظل الظروف الأمنية الحساسة التي يشهدها الجنوب، مشددا على أن الحديث عن "انسحاب" بالمعنى الكامل للكلمة يعد توصيفا مبالغا فيه، لما يحمله من دلالات سلبية كبيرة على المستويين الأمني والمعنوي.
وأشار خلف إلى أن أي قرار انسحاب شامل للجيش من منطقة جنوب الليطاني لا يمكن أن يتخذ بشكل فردي، بل يتطلب قرارا من مجلس الوزراء، باعتبار أن انتشار الجيش في تلك المنطقة حصل أساسا بقرار من السلطة التنفيذية، موضحا أنه في الحالات الميدانية الطارئة، يمكن للقيادة العسكرية اتخاذ قرارات تكتيكية تتعلق بإعادة الانتشار أو التموضع وفقا لمقتضيات السلامة والعمل العسكري.
ولفت إلى أن الصرخات التي تصدر عن أهالي بعض القرى، سواء في المناطق ذات الغالبية المسيحية أو السنية، تعبر عن حالة قلق مشروعة في ظل التوترات الراهنة، مؤكدا أن هذه المخاوف لا تقتصر على منطقة أو طائفة معينة، بل تشمل مختلف اللبنانيين.
وفي سياق متصل، اعتبر أن البيان الرسمي والواضح من قيادة الجيش إزاء ما تُداول أغلق الباب أمام التكهنات، موضحا أنّ الجيش اللبناني يجد نفسه في وضع بالغ التعقيد في الجنوب، حيث يتموضع بين تصعيد عسكري إسرائيلي من جهة، وواقع أمني يفرضه حزب الله من جهة أخرى، ما يحد من قدرته على التحرك بحرية، باعتبار أن المعركة الدائرة ليست من ضمن المهام التي قررها الجيش أو فرضها بنفسه.
وقال خلف إنّ هذا الواقع يضع الجيش في موقع حرج، إذ يتعرض لانتقادات متزايدة من الرأي العام، في حين أن جزءا كبيرا من المسؤولية يعود إلى القرارات السياسية التي حددت طبيعة مهمته وانتشاره في المنطقة، فضلا عن وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة تسهم في تعقيد المشهد الأمني، مشددا على أن المعركة الدائرة في الجنوب ليست معركة الجيش اللبناني بل فرضت عليه من خارج إرادته وإرادة السلطة السياسية في البلد.
كما حذر من تطورات ميدانية خطيرة، متحدثا عن معلومات متداولة عن استخدام الحزب، الخارج على القانون، وفق تعبيره، ومنها بلدة القوزح، منصات لإطلاق صواريخ، الأمر الذي يعرض هذه المناطق لخطر الاستهداف المباشر، ويؤدي إلى نقل المواجهة إلى داخل الأراضي اللبنانية بدل بقائها محصورة على الحدود.
واعتبر خلف أن ما يحصل اليوم ينذر بتوسع رقعة المواجهة داخل لبنان، حيث تتبادل إسرائيل وحزب الله الضربات انطلاقا من مناطق لبنانية، ما يفاقم من معاناة المدنيين ويزيد من احتمالات النزوح الداخلي، مشيرا إلى أنّ الوضع الراهن بالغ الدقة والخطورة، مع تزايد أعداد النازحين من مختلف المناطق والطوائف.
وحذّر من سيناريوهات أكثر تعقيدا في حال استمرار التصعيد، آملا في أن تنتهي الأزمة بأقل قدر ممكن من الخسائر، وأن يُصار إلى تفادي الوصول إلى الأسوأ..