في ظلّ التداول بمعلومات عن طلب إسرائيلي بإخلاء مواقع للجيش اللبناني على الحدود الجنوبية، عاد القلق ليخيم على المشهد الداخلي، خصوصًا مع الحديث عن احتمال تمهيد لاجتياح بري واسع. وبين تطميناتٍ إسرائيلية بعدم وجود خطة لاجتياح واعترافها بتقدّم محدود داخل الأراضي اللبنانية، تتصاعد المخاوف من أن يتحول أي تغيير ميداني إلى واقع أمني جديد ينعكس مباشرة على القرى الحدودية وسكانها. إضافةً إلى تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني، الذي كان يُعوَّل عليه لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة الدقيقة.
فهل ما يحصل مجرد إعادة تموضع عسكري تكتيكي في ظل ضغوط ميدانية أَم أَنّ الجنوب أمام مرحلة أكثر خطورة تختبر قدرة الدولة على تثبيت حضورها العسكري في وقت يتأخر فيه الدعم الدولي؟
في هذا الإطار، أفاد وزير الداخلية السابق العميد المتقاعد مروان شربل بأنّ الإسرائيليين أعلنوا صراحةً عدم نيتهم القيام باجتياح بريّ، مشيرًا إلى أنَّ ما يُحكى عنه جاء في سياق حديثٍ بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل حول جملة ملفات أمنية. وأوضح أن الجيش اللبناني يملك تكتيكاته الخاصة ويمكنه تبديل مواقعه أو التراجع من نقاطٍ معيّنة حفاظًا على سلامة عناصره، من دون أن يعني ذلك إخلاءً كامِلًا للجنوب أو ترك القرى من دون حماية.
وأَشَارَ عَبرَ مِنصة بالعربي إلى أَنَّ الجيش لا يزال موجودًا في عَدَدٍ من القرى تحت سلطته المباشرة، معتبرًا أنّ أي تراجع موضعي لا يعني انسحابًا شاملًا وإن كان إقرار إسرائيل بتقدّمها لمسافة 200 إلى 300 متر داخل الأراضي اللبنانية يترك أَثَرًا مباشرًا على واقع انتشار الجيش.
ولفت شربل إلى أن رئيس الجمهورية قَامَ باتصالات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طالبًا منه القِيَام باتصالات مع الجانب الأميركي للضغط باتجاه انسحاب إسرائيل إلى النقاط السابقة، مُؤكدًا أَنهُ لا يعتقد بوجود اجتياح بري في الوقت الراهن. وشدّد على أنّ حصوله، في حال وقع، يستوجب تدخّل الدول الصديقة للبنان.
أما في ما يتعلق بمؤتمر دعم الجيش، فأوضح أنّ المؤتمر أُجِّلَ، مُعتَبِرًا أن الرهان على تسليح نوعي للجيش اللبناني ليس جديدًا، إذ كان بالإمكان بحسب رأيه، تسليحه منذ سنواتٍ لو وُجد قرار دولي بذلك. وقَالَ إِن أي سلاح قد يشكّل تهديدًا لإسرائيل سيواجه اعتراضًا إسرائيليًا وأميركيًا، مشيرًا إلى الفارق الكبير بين حجم الدعم الذي تتلقاه إسرائيل والذي قدّر بعشرات مليارات الدولارات منذ السابع من تشرين الأول وبين المساعدات المحدودة التي يحصل عليها الجيش اللبناني سنويًا.
كما أشار شربل إلى أنّ قائد الجيش كان قد طلب مليار دولار، فيما طالب رئيس الجمهورية في خطابه الأخير بخمسة مليارات دولار على مدى سنوات لتأمين رواتب العسكريين، تعليم أولادهم والطبابة، معتبرًا أنّ الدعم المالي لضمان صمود المؤسسة العسكرية لا يقل أهمية عن التسليح.
ورَأَى أَن مَا يحصل يتجاوز الساحة اللبنانية، لافِتًا إلى أَن الصراع الحالي يرتبط بحسابات دولية أوسع تتصل بإيران، الخليج، الصين وشرايين الطاقة العالمية، مُحَذِّرًا مِن أَن يدفع لبنان ثمن صراعاتٍ أكبر منه. وأَمَلَ في أن تبقى المواجهة ضمن حدودها وألَّا تتوسع نحو دول عربية أخرى.