بعد تداول أنباء عن استهدافه بغارة اسرائيلية في الضاحية الجنوبية، طالعنا رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ببيان عالي النبرة، هاجم فيه قرارات رَئيس الحُكُومَة نواف سلام وحكومته القاضية بحظر العمل العسكري والأمني لحزب الله، واصفًا إِيَّاهَا بعنتريات ضد اللبنانيين ومتهما الحكومة بالعجز أمام إسرائيل.
البيان فتح باب التساؤلات حول الدوافع التي حملت رعد على توجيه سهام انتقاده إلى الحكومة، في مقابل التغاضي عن السبب المباشر الذي أَدَّى إلى إِدخال لبنان في آتون مواجهة عسكرية جديدة، بعدما أُطلِقَ 6 صواريخ باتجاه شمال إسرائيل في خطوة وصفت بغير المحسوبة.
كما يطرح الموقف علامات استفهام حول تحميل الحكومة مسؤولية التداعيات، فيما تتحمل قيادة الحزب مسؤولية القرارات التي انعكست سَلبًا على الداخل اللبناني.
ويأتي ذلك في وقت تتفاقم فيه معاناة النازحين الذين افترشوا الطرقات ولجأوا إلى مراكز الإيواء، وسط تساؤلات عن مصير هذه البيئة التي دفعت الثمن الأَكبَر، ومن دون أَن تتضح معالم خطة واضحة لمعالجة تداعيات التصعيد أَو تحمل المسؤوليات السياسية الكاملة عما حَصل.
في هذا السياق، قال الصحافي جورج العاقوري إن ما صدر عن رعد يعكس مستوى غير مقبول من الخطاب السياسي، معتبرًا أن المواقف التي أطلقت تحت عنوان "ردع إسرائيل" أعادت استجلاب المواجهة إلى لبنان وأدخلت البلاد مُجَدَّدًا في دوامة التصعيد، من دون أن تحقق أي إنجاز فعلي.
ورَأَى عَبرَ مِنصّة بالعربي أَنَّ التجارب السابقة أثبتت أن هذه السياسات أدت إلى نتائج كارثية، فيما تم التنصل من تبعاتها بعد انتهاء المواجهات.
واعتبر عاقوري أن العنتريات الوهمية للحزب تندرج ضمن نهج سياسي قائم على الشعارات، مُشيرًا إلى أَنَّ الحزب ينتمي إلى محور اعتاد تقديم بطولات إعلامية تبين لاحقًا عجزه عن حماية قياداته أو تحصين الداخل اللبناني من التداعيات. ولَفت إلى أَنَّ مَا حدث أخيرًا أَدَّى إلى استجلاب ردود فعل إسرائيلية عنيفة، دفعت البلاد ثمنها.
وفي ما يتعلق بقرار الحكومة الذي أعلنه رئيسها نواف سلام، قال إن السقف كان يمكن أن يكون أعلى، إلَّا أن القرار يشكل خطوة جيدة قياسًا إلى تركيبة الحكومة والظروف السياسية المحيطة بها، مُشيرًا إلى أَنَّ هذا الأَمِر يمثل خطوة تكاملية في مسار تثبيت السيادة ويؤسس لمرحلة جديدة يفترض أن تعزز موقع الدولة.
وأَكَّدَ عاقوري أَنَّ الجيش اللبناني هو الجهة التنفيذية لقرارات السلطة السياسية، وليس من صلاحياته تحديد طبيعة القرار أو تعديله، مُشَدِّدًا على أَنَّ الجيوش في كل دول العالم تنفذ قرارات الحكومات. وقال: المطلوب من المؤسسة العسكرية يندرج ضمن صلب دورها الدستوري ولا يشكل تجاوزًا لمهامها.
وأشار إلى أَنَّ التجارب السابقة، سواء عبر ربط النزاع سياسِيًّا أو من خلال مقاربات أمنية جزئية، لم تؤد إلَّا إلى تكريس واقع تكون فيه قرارات الحرب والسلم خارج إطار الدولة، مُعتَبِرًا أَنَّ استعادة الثقة الداخلية والخارجية تبدأ باعتراف الدولة الكامل بمسؤولياتها وممارستها الفعلية لسلطتها.
وعن الموقف الأميركي من قرار الحكومة، قال عاقوري إن منطق الدول يفرض التعامل مع دولة مكتملة الصلاحيات، لا مع نصف دولة، مُشَدِّدًا على أَنَّ أَيّ ملاحظات خارجية يجب أن تدفع إلى تعزيز دور المؤسسات لا إلى التراجع. وأقر بأن وتيرة المتغيرات الإقليمية أسرع من وتيرة الأداء اللبناني، إلَّا أَنَّ ما اتخذته الحكومة يمثل خطوة إلى الأمام، ولو جاءت متأخرة.
وفي سياق متصل، رأى أن حزب الله ألحق ضررًا بِبِيئَتِه الحاضنة وباللبنانيين عُمُومَا، بدليل المعاناة التي يعيشها النازحون سواء على الطرقات أَو في مراكز الإيواء.
وفي ما يتعلق بموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي وصفه بالزوج المخدوع من قبل الحزب، شدد عاقوري على أن بري غالبًا ما يظهر تمايزًا سياسيًّا عن حزب الله، لا سيما في المقاربات الداخلية والخيارات المرتبطة بإدارة الدولة. إلا أَنَّهُ أوضح أن هذا التمايز يصطدم عند القرارات المفصلية ذات الطابع الايديولوجي أو المرتبطة بالمشروع الاستراتيجي للحزب، حيث تبقى الكلمة الفصل لقيادته.
وأشار إلى أن بري قد يتلقى تطمينات أو ينقل أجواء تهدئة في بعض المراحل، لكن التجارب السابقة أظهرت أن قرار المواجهة حين يتخذ لا يكون خاضعًا للتوازنات السياسية الداخلية.