March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

بعد 21 عامًا على اغتياله… وضّاح صادق يستعيد "رفيق الحريري الذي عرفه المقرّبون": اغتيال لمشروع الدولة

بعد واحدٍ وعشرين عامًا على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا يزال لبنان، كما يقول كثيرون، واقفًا أمام "لحظة 14 شباط" كأنّها لم تنتهِ. لحظةٌ لم تستهدف رجلًا فحسب، بل أصابت فكرة الدولة، خيار الإعمار ورهان الاعتدال، وفتحت الباب أمام أسئلة لا تهدأ: أيّ مشروعٍ اغتيل؟ وكيف تبدّل البلد منذ ذلك اليوم؟

في حلقةٍ خاصة ضمن برنامج "رفيق الحريري… حكاية وطن" عبر منصّة "بالعربي" مع الإعلامي ربيع ياسين، حلّ النائب وضّاح صادق ضيفًا، مستعيدًا محطاتٍ شخصية ومهنية من قربه من الحريري في خلال عمله في "تلفزيون المستقبل"، قبل أن تتوسّع علاقته بالرئيس الشهيد لاحقًا عبر ملفات سياسية وإدارية وحملات انتخابية. شهادةٌ حاولت رسم صورة "رفيق الحريري الإنسان" كما عرفه المقرّبون: صاحب رؤية بعيدة المدى، مشروع يتجاوز السياسة إلى الإعلام والشباب والرياضة وصولًا إلى فكرة "لبنان الدولة".


استهلّ صادق حديثه بوصفٍ عاطفي لوقع الذكرى عليه، معتبرًا أن السنوات الـ21 لا تُخفّف من ثقل اللحظة: "كأنه امبارح"، على حدّ تعبيره، مشيرًا إلى أنه يتذكّر "كل ثانية" من الساعات الأولى: أين كان، كيف سمع الخبر وكيف ظلّ "عدم التصديق" حاضرًا أمام فكرة غياب شخصية بحجم رفيق الحريري بهذه الطريقة.


يروي صادق أن بدايات علاقته بالحريري جاءت من بابٍ غير تقليدي: الرياضة. فقد كانت اهتماماته الأولى مرتبطة بالصحافة الرياضية والعمل الإعلامي، قبل أن تفتح له سلسلة علاقات – أبرزها مع سليم دياب – الباب نحو "تلفزيون المستقبل" وتأسيس قسم "الرياضة"، ومن ثمّ لقاء الحريري.


ويؤكد صادق أن الحريري لم يتعامل مع الرياضة كترفٍ إعلامي، بل كمكوّن من مشروع نهوضٍ أوسع: الوصول إلى الشباب، تحريك السياحة وصناعة صورة وطنية جامعة تتجاوز الاصطفافات. ومن هنا، كان دعم الحريري – بحسب صادق – لاستضافة بطولات عربية وآسيوية، العمل على تطوير الملاعب والبنية التحتية الرياضية ومحاولات إدخال لبنان في روزنامة الأحداث الكبرى.


في جانبٍ آخر من شهادته، توقف الصادق عند تجربة "تلفزيون المستقبل" بوصفها مساحة عمل "لا طائفية" في زمنٍ كانت فيه الشاشات تُصنّف وفق الانتماءات. ويقول إن الحريري كان يرى في الإعلام وسيلة تواصل وتوحيد وفي الرياضة قناةً إضافية لفتح الأبواب أمام جيل الشباب.


كما استعاد محطات تتعلق بحرية الإعلام وإدارته للأزمات، معتبرًا أن الحريري كان "يؤمن" بضرورة الفصل بين التغطية وبين التجييش وأنه كان حريصًا على ألا يتحول المشهد الرياضي إلى عنوان انقسام مناطقي أو طائفي.


يقرّ صادق بأن علاقته في المرحلة الأولى لم تكشف له "حجم" الحريري بالكامل. ويقول "ما قدرت شوف إلا 20%" مما تبيّن لاحقًا، مشيرًا إلى أن ما بعد عام 2000 كان محطة مفصلية: هناك بدأت صورة "الرؤية" تتضح، من طريقة التفكير إلى شبكة العلاقات إلى إدارة التفاصيل، وصولًا إلى القدرة على التعامل مع تعقيدات الداخل اللبناني في ظل الاحتلال السوري آنذاك ووجود "ميليشيات انتقلت من الحرب إلى الحكم"، وفق توصيفه.


ويذهب صادق إلى اعتبار أن الحريري نجح في نقل لبنان "من حرب إلى سلم"، من عزلة إلى حضور ومن تهميش إلى تأثير، مستشهدًا بسرديات عن أدوار خارجية وعلاقات دولية ساهمت – بحسب قوله – في صناعة موقع للبنان في تلك المرحلة.


من أبرز ما ورد في الحلقة، تفصيل صادق لتجربة نقل الدورة العربية في بيروت في العام 1997، حين طُرحت فكرة تحويل الشاشة إلى "قناة رياضية على مدار الساعة" في زمنٍ لم تكن فيه قنوات رياضية متخصصة بالمعنى السائد اليوم. ويشرح كيف أُمِّنَت وحدات النقل والفرق وكيف تحولت التغطية إلى حدثٍ إقليمي رفع "سقف التوقعات" لدى الإعلام العربي، بحسب ما نقله عن مسؤولين ووفود زارت "المستقبل"بعد أيام من انطلاق البث.


يتوقف صادق عند محطة عام 1999، حين قدّم استقالته من "المستقبل" على خلفية ما وصفه بـ"إحباط" وظلمٍ في ملف الرواتب داخل القسم الذي بناه. ويشير إلى أن الحريري لم يكن على علمٍ كامل بالتفاصيل لحظة حدوثها وأن الاستقالة تركت أثرًا من "زعل" متبادل، بما في ذلك مع سليم دياب.


غير أنّ العلاقة عادت تدريجيًا، قبل أن تدخل مرحلة جديدة مع الاستحقاقات الانتخابية والملفات السياسية. ويستعيد صادق كيف عمل على مشروع انتخابي مختلف للرئيس الحريري قائم على اللقاء المباشر بالناس في بيوتهم، معتبرًا أن تلك التجربة كشفت جانبًا من قدرة الحريري على بناء "صلة حميمة" مع الشارع وأن مشاهد البكاء على الشرفات والاندفاع الشعبي تركت أثرًا لا يُنسى.


عن يوم الاغتيال، يروي صادق أنه كان على الطريق قبل أن تتوالى الاتصالات عن "انفجار كبير". لحظة الشك تحولت إلى يقين حين بدأت المؤشرات تظهر على الشاشات. ويختصر شعوره يومها بجملة واحدة: "خسرنا كل شيء… بتشوف مجهول"، معتبرًا أن الحريري كان "ظهر البلد" ومشروع الدولة وأن اختفاءه فجأة جعل المسار "ضائعًا" على الرَّغمِ مِن ما تلا ذلك من محطات سياسية كبرى.


في ختام الحلقة، طرح الصادق سؤال الجيل الجديد الذي لم يعش المرحلة: ماذا نقول لمن لا يعرف رفيق الحريري؟ وجاءت إجابته بتوصيفٍ مباشر: "كان لبنان اللي عم يحلموا فيه"، معتبرًا أن رؤيته لو طُبّقت لكان لبنان "بلدًا آخر، وأن سنوات ما بعد الاغتيال شهدت تراجعًا في البنية التحتية والخدمات، مقابل غياب مشروع الدولة الذي كان الحريري يدفع باتجاهه.


ويبقى السؤال الذي يتكرّر كل عام: هل كانت لحظة 14 شباط نهاية رجل… أم بداية مرحلةٍ اغتيلت فيها فكرة الدولة مرارًا؟


اضغط على الرابط الآتي لمشاهدة الحلقة: