March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

لقمان سليم والجرح الذي لم يلتئم

خمس سنواتٍ مرّت على اغتيال الباحث والناشط اللبناني لقمان سليم، ولا يزال البحث عن الحقيقة مستمرًّا، فيما تبدو العدالة مؤجَّلة.

لم تكن الجريمة اغتيال شخصٍ فحسب، بل محاولة لإسكات صوتٍ نقديٍّ بارز، كان على الدوام يثير النقاش ويواجه الملفات الشائكة في المجتمع والسياسة، في بلدٍ طالما أُسكتت فيه الأصوات بهذه الطريقة، حيث تُدار العدالة بحسب المصالح بدل الحق. منذ تلك اللحظة، بقي اغتيال لقمان جرحًا مفتوحًا في الذاكرة اللبنانية، يذكّرنا بأن الحقيقة لا تتحقق بالكلام وحده، بل بالعمل الجاد والقرار الشجاع.

اليوم، وبعد كل ما شهدته الساحة الإقليمية من تحولات، اتضح حجم التحديات التي يواجهها القضاء في تحقيق العدالة. ومع كل خطوة نحو كشف الحقائق، يُطرح السؤال الأهم: هل يستطيع القضاء اليوم أن يتحرك بمفرده في كشف الحقيقة ومحاسبة القتلة، أم أنّ تحقيق العدالة يبقى مرهونًا بالقرار السياسي؟

في هذا السياق، أفادت الكاتبة والناشرة اللبنانية رشا الأمير شقيقة لقمان سليم بِأَنّ التحقيق، على الرغم من إعادة فتحه وتبدّل القاضية المكلّفة، لا يزال يواجه عائقًا أساسيًا لا يرتبط بنقص في العمل القضائي أو الأمني، بل بغياب القرار السياسي الحاسم، مُشيرةً إلى أنّ القاضية الجديدة تعمل بجدّية كما أنّ شعبة المعلومات كانت قد بذلت جهدًا مهنيًا واسعًا على المستوى التقني، إلّا أنّ المسار برمّته يبقى معلّقًا في ظلّ ما وصفته بسقفٍ سياسي غير معلن يحدّد إلى أين يُسمح للملف أن يصل.

 

وعن الذكرى الخامسة لاغتيال لقمان سليم، شدّدت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" على أنّها ليست محطة رمزية ولا مناسبة للتكرار، بل لحظة ثقيلة تُذكّر بأنّ جريمة بهذا الحجم لا تزال بلا خاتمك، لافِتةً إلى أنّ الذاكرة، على أهميتها، لا تكفي إن لم تتحوّل إلى مسؤولية عامة. وقالت إنّ الزمن في هذه القضية لا يُقاس بالسنوات، بل بما نفعله داخله.

 

وفي تقييمها لما حصل في خلال السنوات الماضية، رأت الأمير أنّ ما حصل هو تراكم عمل مهني من جهة وتعطيل سياسي من جهةٍ أخرى، معتبرةً أنّ العائق الحقيقي لا يكمن في الملف نفسه، بل في البيئة المحيطة به، حيث تتداخل شبكة مصالح وحسابات تمنع القضاء من الذهاب إلى نهاياته الطبيعية. ولفتت إلى أنّ المشكلة ليست تقنية، بل بنيوية بامتياز.

 

وفي رسالةٍ وجّهتها إلى الدولة اللبنانية ورئيس الحكومة، شدّدت على أنّ المطلوب ليس بيانات دعم أو مواقف عامة، بل تحمّل مسؤولية فعلية، عبر ترك القضاء يعمل من دون خوفٍ أو خطوط حمراء غير معلنة، منوّهةً بِأنّ العدالة لا تبدأ في قاعة المحكمة فقط، بل في القرار السياسي بحمايتها بدل الالتفاف عليها.

 

أمّا على المستوى الشخصي والعائلي، فأكّدت الأمير أنّ غياب العدالة لم يؤدِّ إلى الانكفاء، بل إلى مزيدٍ من الإصرار على إبقاء لقمان سليم حاضرًا، في داره، حديقته وفي العمل اليومي داخل "دار الجديد"، "أمم" ومؤسسته، واصفةً حضوره بأنّه ليس استعارة عاطفية، بل قوة دافعة، "أشبه بملاك حارس يذكّرنا بمعنى الاستمرار". وقالت: هذه البلاد لا قيامة لها ما لم نُجبر أنفسنا ومن حولنا على الانتقال من الحداد إلى الفعل، ومن الكلام إلى مزيد من خير العمل.

 

ونوّهت بأهمية الإعلام والمجتمع المدني في كسر العزلة ومنع النسيان، عبر إبقاء القضية حاضرة في الفضاء العام، مشيرةً إلى أنّه لا يمكن تحميلهما مسؤولية ما يفترض أن تقوم به الدولة، مع التأكيد على أنّ ممارسة الضغط الشعبي والإعلامي أمر ضروري، لكنه لا يعوّض غياب القرار السياسي.

 

وأكَّدت أنّ حضور لقمان يمتدّ أيضًا إلى المجال الثقافي والفني، مشيرةً إلى افتتاح معرض باقون، بالإضافة إلى معرض عن استديو بعلبك في فضاء هنغار أمم. واعتبرت، في ختام حديثها، أنّ هذه المبادرات دليل على استمرار حضوره وذاكرته في العالم.

لقمان سليم والجرح الذي لم يلتئم
لقمان سليم والجرح الذي لم يلتئم - 1