في ضوء القرارات القضائية الأخيرة الصادرة بحق عدد من الصحافيين والناشطين على خلفية التهجم على مقام الرئاسة الأولى، عاد الجدل بقوة حول ما إذا كان لبنان قد دخل فعلًا مرحلة جديدة قوامها تطبيق القانون، المحاسبة وسيادة الدولة أم أنّ هذه الخطوات ستبقى محصورة في إطار جزئي وانتقائي.
وتطرح هذه التطورات أسئلة أساسية حول جدية الدولة في فرض هيبتها، لا سيما في ما يتعلق بكيفية التعامل مع أي رفض محتمل للمثول أمام القضاء، على غرار ما حصل سابقًا عندما رفض علي برو الاستجابة لطلب استدعائه على خلفية حادثة الروشة، بعد توجيهه إهانات مباشرة بحق رئيس الحكومة نواف سلام.
وتأتي هذه التساؤلات بالتزامن مع استدعاء المدعي العام التمييزي الصحافي حسن عليق للمثول أمام المباحث الجنائية على خلفية مقطع فيديو انتقد فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون وأصدار مذكرة توقيف بحق الناشط علي برو وإحالتها إلى مختلف الأجهزة الأمنية بجرم التهجم على رئيس الجمهورية، إضافة إلى الادعاء المقدم من النائب السابق مروان حمادة وشقيقه علي حمادة بحق الناشط علي حمية، فضلًا عن صدور عدد من مذكرات التوقيف بحق صحافيين وناشطين آخرين بتهمة التطاول على رموز الدولة، في مشهد يعيد طرح معادلة الحرية، المسؤولية وحدود القانون في الدولة.
في هذا السياق، شدد المحامي فادي ظريفه على أنّ المعيار الأساسي اليوم يجب أن يكون البدء بتطبيق القانون على الرعاع، بحسب تعبيره، من دون استثناء أو محاباة، مؤكدًا ألّا أحد يجب أن يكون فوق سقف القانون.
وأوضح عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أنّه، من موقعه كمحام ومنخرط في الشأن العام، يرفض بشكل قاطع تبرير أي مخالفة للقانون تحت غطاء الإعلام أو الصحافة. وقال إنّ القانون لا يحمي من يدعون صفة إعلامي أو صحافي فيما هم يمارسون التحريض أو التهديد أو التعدي، مشددًا على أنّ العمل الإعلامي الحقيقي هو عمل مهني محترم يقوم على نقل الوقائع واحترام الاختلاف في وجهات النظر، وكل ما عدا ذلك لا يمت بصلة للإعلام ويقود صاحبه حتمًا إلى المساءلة القانونية والتوقيف.
وأشار ظريفه إلى أنّ لبنان شهد سابقًا تجارب مشابهة، كحادثة إضاءة صخرة الروشة وما رافقها من تهجمات على رئيس الحكومة، حيث لم تستكمل الدولة إجراءاتها حتى النهاية، معتبرًا أنّ هذا الأمر يضع السلطات القضائية والأمنية أمام اختبار حقيقي. وقال إنّ الدولة، كلما قررت ملاحقة شخص أو كشف جريمة، كانت قادرة على ذلك عندما توفرت الإرادة، أمّا التراجع أو الامتناع فيعني إما الاستنكاف عن إحقاق الحق أو التواطؤ أو الجبن، وفي كلّ الحالات هو فشل للدولة.
ولفت إلى ألّا وجود لما يسمى كبار تحت سقف القانون، مؤكدًا أن هذا المبدأ يشكل امتحانًا مصيريًا للدولة، إمّا أن تثبت قدرتها على تطبيقه أو تفقد ما تبقى من هيبتها، مشددًا على أنّ الأجهزة الأمنية قادرة، متى أرادت، على توقيف أي شخص على الأراضي اللبنانية، كما تفعل مع عصابات الجريمة المنظمة وتجار المخدرات، وبالتالي لا حجة لعدم تنفيذ القانون.
وتطرّق ظريفه إلى مستوى الخطاب المتداول لدى بعض الأشخاص الذين يملأون الشاشات، معتبرًا أنّه مستوى متدن ومخجل، ولا يليق بتاريخ الصحافة والإعلام في لبنان. وقال إنّ ما نشهده اليوم يشكل إهانة للمهنة وللرأي العام، داعيًا السلطات إلى تحمل مسؤولياتها وعدم التساهل مع هذه الظواهر.
كما شدد على أنّ ما يحصل يجب ألّا يُفسر على أنّه تعدٍّ على حرية الإعلام، مؤكدًا أنّ الحرية شيء والفوضى والتعدي على الناس شيء آخر. ورأى أنّ القضاء والأجهزة الأمنية أمام امتحان جديد، والأيام المقبلة ستظهر ما إذا كانت الدولة جادة في استعادة دورها.
وأكد ظريفه أنّ القانون يجب أن يطبق في كل الأوقات وعلى الجميع وأنّ كل من يظن أنّه قادر على تجاوز القانون بسبب موقعه أو انتمائه فهو واهم، لأنّ العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط، مشيرًا إلى أنّ لبنان مقبل على استحقاقات حساسة تعيد التذكير بجرائم كبرى لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية، وفي مقدمها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ما يفرض على الدولة أن تكون على مستوى المسؤولية التاريخية.
وأشار إلى أنّ حزب الله استخدم في خلال مراحل سابقة القضاء وبعض أجهزة الدولة كأدوات سياسية لملاحقة المعارضين، ما شكل ضربة خطيرة لهيبة الدولة ولمبدأ العدالة. وقال إنّ الحزب، مهما تعاظم نفوذه، لا يمكن أن يكون فوق القانون أو خارج المحاسبة.
وفي ختام حديثه، شدّد ظريفه على أنّ المرحلة المقبلة تشكل اختبارًا حقيقيًا لاستقلال القضاء وقدرة الدولة على تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.