January 17, 2026   Beirut  °C
سياسة

سامي الجميّل يضع الدولة والمجلس النيابي أمام مسؤولياتهما

ما طرحه رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لا يمكن اختصاره بموقف انتخابي ظرفي، بل يندرج في إطار مقاربة شاملة لإعادة الاعتبار إلى معنى الدولة والديمقراطية في لبنان. فالدعوة إلى تعاطٍ مختلف مع الاستحقاق النيابي، ولا سيما لجهة حماية المرشحين والناخبين في مناطق نفوذ السلاح، تعكس قناعة بأنّ الانتخابات ليست مجرّد إجراء دستوري، بل فعل سيادي يفترض أن يُمارَس في بيئة آمنة ومتساوية.

أهمية هذا الطرح تكمن في إعادة توجيه النقاش من سؤال "هل ستُجرى الانتخابات؟" إلى سؤال أعمق: "كيف ستُجرى؟". فحين يدعو الجميّل إلى انتخابات حرّة في النبطية وبنت جبيل والبقاع كما هي حرّة في سائر المناطق، فهو يضع معيارًا واحدًا للحرية الانتخابية في كل لبنان، رافضًا منطق الاستثناءات المناطقية أو الواقعية المفروضة بقوة الأمر الواقع. هذا الموقف لا يستهدف بيئة بعينها، بقدر ما يطالب بالمساواة بين اللبنانيين في حقهم بالاختيار السياسي.


وفي إشارته إلى أنّ أحدًا لم يجاره سابقًا في طرح عدم إجراء الانتخابات قبل بسط سيادة الدولة بشكل كامل، يسلّط الجميّل الضوء على تجربة سياسية متراكمة، عاشتها قوى عدة تأثّرت بالسلاح في استحقاقات سابقة. فالتضييق على الحملات، والضغط غير المباشر على المرشحين، والمخالفات التي شابت يوم الاقتراع داخل بعض الأقلام في الدورات السابقة، كلّها وقائع لم تعد خافية، لكن جرى التعامل معها كأمر واقع تحت عناوين الاستقرار وتفادي الصدام.


ويُضاف إلى هذا الطرح بُعدٌ آخر لا يقل أهمية، وهو ملف انتخابات المغتربين، الذي أعاد الجميّل طرحه بوضوح، داعيًا المجلس النيابي إلى تحمّل مسؤولياته كاملة في هذا الشأن. فحق اللبنانيين المنتشرين في الاقتراع ليس تفصيلاً تقنيًا ولا منّة سياسية، بل حق دستوري يُفترض أن يُصان ويُفعَّل بعيدًا عن الحسابات الضيقة. والتجارب السابقة أظهرت أنّ التخبّط التشريعي والتأجيل والمناورات القانونية أدّت إلى إضعاف مشاركة الاغتراب، رغم كونه أحد أعمدة الحياة الاقتصادية والسياسية اللبنانية.


من هنا، يربط الجميّل بين نزاهة الانتخابات في الداخل وضمان حقوق المغتربين في الخارج، باعتبار أنّ أي عملية انتخابية تُقصي شريحة واسعة من اللبنانيين أو تُقيّد مشاركتهم، تفقد جزءًا أساسيًا من شرعيتها التمثيلية. وفي هذا السياق، تصبح مسؤولية المجلس النيابي أساسية، ليس فقط في إقرار القوانين، بل في حماية مبدأ الشراكة الوطنية ومنع تحويل قوانين الانتخاب إلى أدوات لتكريس موازين قوى قائمة.


يقدّم طرح سامي الجميّل مقاربة متكاملة للاستحقاق النيابي، قوامها ثلاثية واضحة: سيادة الدولة، حرية الانتخابات، وشمولية التمثيل في الداخل والاغتراب. وهو طرح يضع الدولة ومجلس النواب أمام اختبار جدي: إمّا انتخابات نزيهة تحميها الدولة ويشارك فيها جميع اللبنانيين على قدم المساواة، وإمّا استحقاق شكلي يُعاد فيه إنتاج الأزمة نفسها، مع ما يحمله ذلك من مخاطر إضافية على ما تبقّى من ثقة اللبنانيين بدولتهم ونظامهم الديمقراطي.