بعد مرور قرابة عام على تولّي الوزير جو صدي حقيبة الطاقة والمياه، وفي ظل توقّعات رافقت تسلّمه الوزارة تحدّثت عن إمكان تسجيل تحسّن ملموس في واقع الكهرباء خلال الأشهر الأولى من ولايته، عاد هذا الملف ليتصدّر المشهد العام مجددًا.
ويأتي ذلك في وقت يتعرّض فيه صدي لحملة انتقادات من وزراء طاقة سابقين محسوبين على التيار الوطني الحر، ولا سيما الوزيرة السابقة ندى البستاني، على خلفية استمرار انخفاض ساعات التغذية الكهربائية، واتهامه بعقد صفقات غير قانونية.
في هذا السياق، يطرح أكثر من سؤال حول ما تحقّق فعليًا في قطاع الطاقة خلال عام من تولّي الوزير صدي مهامه، وما إذا كانت مقاربته للملف تختلف عن تلك التي اعتمدها أسلافه من وزراء الطاقة، في بلد لا يزال ملف الكهرباء يشكّل أحد أبرز عناوين الأزمة الاقتصادية والمعيشية، ولا سيما في ظل فواتير مرتفعة يدفعها اللبنانيون، واستمرار تحكّم مافيات المولّدات الخاصة برقاب المواطنين.
مصادر مقرّبة من وزارة الطاقة أكدت عبر منصة "بالعربي" أن الموقف الرسمي في ما يتعلّق بملف الكهرباء يصدر حصرًا عن وزير الطاقة، مشدّدة على أن الوزير جو صدي هو الوزير الوحيد الذي لم يعد اللبنانيين بتأمين الكهرباء 24 على 24، وهو أيضًا الوزير الوحيد الذي لم يبع اللبنانيين سمكًا في البحر كما فعل غيره.
ولفتت المصادر إلى أن صدي، ومنذ أول مؤتمر صحافي له عند تسلّمه مهامه، اعتمد سياسة الصراحة والشفافية، ولم يعطِ أي وعود غير قابلة للتنفيذ، لأنه لا يريد أن يغشّ اللبنانيين.
وفي هذا السياق، أوضحت المصادر أن أي مواقف سياسية تصدر عن أطراف أو شخصيات أخرى لا يمكن نسبها إلى وزارة الطاقة، مؤكدة أن الوزارة تعتمد خطابًا تقنيًا وواقعيًا بعيدًا من الشعبوية، وأن ما يُنسب إلى مصادر الوزارة يجب أن يقتصر على الشق المتعلّق بالطاقة حصرًا.
وسخرت المصادر مما وصفته بمفارقات الخطاب السياسي لبعض الجهات (تحديدًا التيار الوطني الحر)، التي تولّت وزارة الطاقة منذ العام 2009 وحتى اليوم، معتبرة أن هذه الجهات أمسكت بالوزارة لما يقارب 17 سنة، وتناوب على إدارتها عدد من الوزراء الذين وعدوا اللبنانيين مرارًا بتأمين الكهرباء 24 على 24، في وقت كانت فيه الدولة تملك الأموال والقدرة على بناء معامل إنتاج، كما كانت تتمتّع بغطاء سياسي واسع وسلطة تنفيذية وتشريعية كاملة، سواء في ظل عهد رئاسي استمر ست سنوات أو خلال حكومات كانت فيها تلك القوى وحلفاؤها يسيطرون على القرار.
وأضافت المصادر أن تلك الجهات، ورغم كل هذه الإمكانات، لم تنجز أي حل جذري لملف الكهرباء، ولا يحق لها اليوم تحميل المسؤولية لوزير لم يمضِ على تولّيه مهامه سوى نحو عام واحد، وفي ظل دولة مفلسة وظروف اقتصادية ومالية غير مسبوقة، فضلًا عن واقع سياسي وأمني معروف ينعكس سلبًا على الاستثمارات في كل القطاعات، وليس فقط في قطاع الطاقة.
وأشارت مصادر وزارة الطاقة إلى أن الفارق الجوهري بين الوزير الحالي والوزراء السابقين يكمن في أن جو صدي يركّز على العمل الفعلي بدل الإكثار من التصريحات، موضحة أن الدراسات التقنية التي أنجزتها الوزارة بيّنت أن المعامل الحالية، حتى في أفضل الظروف ومن دون أي أعطال، لا يمكنها أن تؤمّن أكثر من 8 إلى 10 ساعات تغذية يوميًا، ما يفرض العمل على حلول واقعية لزيادة الإنتاج.
وفي هذا الإطار، كشفت المصادر أن الوزير صدي يعمل على أكثر من مسار بالتوازي، من بينها التواصل مع جهات دولية ودول خليجية لتحضير الأرضية اللازمة لتشجيع الاستثمارات، إضافة إلى تفعيل مصادر الطاقة البديلة. وذكرت أن الحكومة اللبنانية كانت قد منحت في العام 2022 إحدى عشرة رخصة لإنتاج الطاقة الشمسية، إلا أن هذه الرخص بقيت مجمّدة في الأدراج لثلاث سنوات من دون أي تنفيذ، رغم أن الأزمة كانت قائمة في حينه.
وأكدت المصادر أن الوزارة، فور تسلّم الوزير صدي مهامه، دعت أصحاب هذه الرخص إلى اجتماع وطلبت منهم المباشرة بالتنفيذ، مشيرة إلى أن أربعة مشاريع باتت قيد التفعيل، في حين تعذّر تنفيذ بعض الرخص الأخرى لأسباب أمنية في الجنوب.
ولفتت إلى أن تنظيم قطاع الطاقة أصبح اليوم أكثر وضوحًا، مع دور أساسي للهيئة الناظمة التي باتت الجهة المخوّلة قانونًا إعطاء التراخيص.
وفي ما يتعلّق بملف الغاز لتشغيل المعامل، شدّدت المصادر على أن الوزير صدي يرفض رهن لبنان بمصدر واحد، ويعمل على تنويع مصادر الطاقة، سواء عبر إعادة تأهيل خط الغاز العربي مع الأردن وسوريا، أو من خلال التحضير لاستيراد الغاز المسال بحرًا بالتعاون مع دول خليجية ومؤسسات دولية، بما يضمن أمن الطاقة وعدم ارتهان البلاد لأي جهة.
أما في ملف التعدّيات والسرقة، فلفتت المصادر إلى أن الوزير صدي رفض الاكتفاء بحملات إعلامية شكلية، وطلب إحالة كبار المعتدين على شبكة الكهرباء إلى القضاء المالي، مؤكدة أن هناك معامل ومؤسسات كبرى تسرق الكهرباء وتشكل عبئًا حقيقيًا على الشبكة.
وكشفت عن اجتماع تنسيقي عُقد أخيرًا برعاية الوزارة بين القوى الأمنية ومؤسسة كهرباء لبنان لإطلاق حملة جدّية تستهدف المخالفات الكبرى، لا صغار المستهلكين.
وفي الختام، رأت المصادر أن من المضحك أن يخرج بعض رموز المنظومة السابقة، على رأسهم وزراء التيار الوطني الحر، ممن تولّوا مسؤوليات مباشرة أو كانوا مستشارين في وزارة الطاقة طوال 17 سنة، لإعطاء دروس في إدارة القطاع، داعية اللبنانيين إلى العودة إلى الأرشيف ومشاهدة تصريحات الوزراء السابقين على المنصات الإعلامية، للحكم بأنفسهم على حجم الوعود التي أُطلقت والنتائج التي تحقّقت. كما أكدت أن ملف البواخر وسائر الملفات العالقة يتطلّب تحرّكًا جديًا من القضاء، بعيدًا من الممارسات التي سادت في مراحل سابقة.