أثار القرار الأميركي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في كلٍّ من مصر والأردن ولبنان "منظمات إرهابية" تساؤلات سياسية واسعة حول مستقبل الجماعة الإسلامية – فرع "الإخوان" في لبنان، ولا سيّما مع اقتراب الاستحقاق النيابي.
فكيف سينعكس هذا القرار على وضع "الجماعة" السياسي وعلى حسابات التحالفات الانتخابية؟ وهل يشكّل بداية لعزلها سياسيًا، أم يبقى في إطار الضغط الخارجي غير المُلزِم داخليًا؟
كما يطرح القرار أسئلة حول خلفياته، وما إذا كانت مشاركة "الجماعة" في ما عُرف بـ"حرب الإسناد" قد ساهمت في التعجيل به، أم أنّه يندرج ضمن سلّة أشمل تستهدف مختلف أجنحة "الإخوان المسلمين" في الدول التي شملها التصنيف، في سياق إقليمي ودولي أوسع.
في موازاة ذلك، أكّدت الجماعة الإسلامية في بيانٍ لها أنّ القرار سياسي وإداري ولا يستند إلى أي حكم قضائي لبناني أو دولي، ولا يترتّب عليه أي أثر قانوني داخل لبنان، مشدّدةً على أنّها مكوّن سياسي واجتماعي لبناني مرخّص يعمل تحت سقف القانون، ويرفض العنف والإرهاب ويتمسّك باستقرار لبنان والسلم الأهلي، مع دعوتها إلى التعاطي مع الموضوع بروح المسؤولية والحوار بعيدًا عن التهويل والاستثمار السياسي.
في قراءةٍ لهذه التطورات، قال النائب السابق مصطفى علوش: "إنّ وضع الجماعة الإسلامية يواجه تحدّيات كبرى، بغضّ النظر عن القرار الأميركي بتصنيفها منظمة إرهابية، معتبرًا أنّ الحركة اتّخذت خيارات خاطئة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ما انعكس تراجعًا في موقعها السياسي وفي مستوى الدعم الذي كانت تحظى به".
وأوضح علوش، عبر منصة "بالعربي"، أنّ الجماعة الإسلامية خسرت تدريجيًا دعم عدد من الدول في المنطقة، وتخلّى عنها حتى بعض أقرب حلفائها، أو على الأقل تراجعت المساعدات والدعم السياسي المقدَّم لها، مشيرًا إلى أنّ هذا التراجع يطال بشكلٍ خاص تركيا وقطر، وذلك لأسباب تتعلّق بتغيّرات في العلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية.
وأشار إلى أنّه كان هناك نوع من التفهّم لدعم سياسي لحركة حماس من قبل الجماعة الإسلامية، انطلاقًا من اعتبارات عقائدية ومرتبطة بالحقوق الفلسطينية وحركات التحرّر، إلّا أنّ دخول الجماعة في المسار العسكري، أو ظهورها كحركة عسكرية خلال الحرب على غزة، أدّى إلى كشفها سياسيًا وأمنيًا بشكلٍ واضح.
ولفت علوش إلى أنّ هذا الانخراط العسكري لم يتمّ بشكلٍ مستقل، بل جرى تحت لواء وحماية "حزب الله"، وهو تحالف له كلفة معروفة، لا سيّما على المستوى المحلي، وخصوصًا في البيئات التي تنشط فيها الجماعة الإسلامية ذات الطابع السني، معتبرًا أنّ هذا الواقع سيؤدّي حتمًا إلى تراجع التأييد الشعبي والموقع السياسي للجماعة.
وأضاف أنّ "حزب الله" نفسه يعيش أزمة، وقد يسعى إلى دعم الجماعة الإسلامية عبر توفير مواقع أو دعم من حصّته الخاصة، وهو أمر محتمل لكنّه غير واضح المعالم حتى الآن، مشيرًا إلى أنّ هذا الانكشاف السياسي سينعكس سلبًا على الوضع الانتخابي للجماعة.
وأكّد أنّ هذا الواقع سيدفع القوى السياسية والكيانات الفردية إلى الابتعاد عن أي تحالف مع الجماعة الإسلامية في مختلف الدوائر، ولا سيّما تلك التي تتمتّع فيها الأكثريّة السنية أو المسيحية بثقلٍ انتخابي، معتبرًا أنّ التجارب السابقة، كتلك التي حصلت في طرابلس وأسهمت فيها أصوات الجماعة في تحقيق حاصلٍ انتخابيّ لأحد النواب، لن تتكرّر على الأرجح في المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أنّ تصنيف الجماعة الإسلامية والعقوبات المرافقة له سيجعلان معظم السياسيين اللبنانيين يسعون إلى النأي بأنفسهم عنها، ليس فقط لأسباب داخلية، بل أيضًا تفاديًا لأي إحراج مع الولايات المتحدة أو مع دول إقليمية فاعلة مثل مصر والسعودية وغيرها.
وفي ما يتعلّق بالتأثير المباشر للعقوبات، لفت علوش إلى أنّه لا يوجد حتى الآن أثر قانوني مباشر على الجماعة على المستوى اللبناني، إلّا أنّ تصنيفها كجماعة إرهابية يضعها في قلب العاصفة السياسية والمالية، ويجعل مؤسساتها التمويلية في وضعٍ صعب، على غرار ما يحصل مع "حزب الله"، وقد يؤدّي ذلك إلى قطع أو إضعاف مصادر التمويل وفرض عقوبات على الداعمين.
وأوضح أنّ مشاركة الجماعة، ولو بشكلٍ رمزي، في ما يُعرف بـ"حرب الإسناد"، ساهمت في تسريع صدور القرار، إلّا أنّ السياق الأوسع يرتبط بمحاولة حظر جماعة الإخوان المسلمين وأجنحتها في عدد من الدول التي شملها القرار، لافتًا إلى أنّ هذه الدول تعتبر أنّ هذه التنظيمات تشكّل تهديدًا أمنيًا وسياسيًا لها.
وختم علوش بالقول إنّ البيان الذي صدر عن الجماعة الإسلامية جاء متوازنًا ومنطقيًا، إلّا أنّ واقعها في لبنان بات في عين العاصفة، معتبرًا أنّ فرص تمثيلها في البرلمان باتت ضئيلة جدًا، وأنّ معظم القوى السياسية ستحاول تجنّب التحالف معها، إلّا في حال قرّر "حزب الله"، رغم أزمته، منحها دعمًا من حصّته السياسية.

