تشير التطورات الأخيرة إلى تغير محتمل في استراتيجية الضربات الإسرائيلية على لبنان، بَعدَمَا لوحظ من استهداف منطقة سينيق في صيدا اختلاف واضح عن أسلوب الضربات السابقة. فقد نفذت الضربة الأخيرة مباشرة ومِن دُونِ إنذار مسبق، على عكس المعتاد من إشعارات وتحذيرات، سواء من حيث التوقيت أو النطاق الجغرافي.
ويأتي هذا التغيير في سياق تحضيرات مرتبطة باجتماع الحكومة المقرر غَدًا الخميس واجتماع لجنة "الميكانيزم" المقرر الجمعة، إضافة إلى تأثير قمة ترامب - نتنياهو والأحداث السياسية الدولية الأخيرة مثل سقوط نظام مادورو في فنزويلا والتحركات المصاحبة لها.
ويثير هذا التغير التكتيكي تساؤلات حول تصاعد احتمالات المخاطر، خُصوصًا في حال لم تحقق الضربات أهدافها المنشودة.
في هذا السياق، قال الصحافي السياسي نايف عازار إن مجمل التطورات الأَخيرة في لبنان والمنطقة ترتبط بشكل مباشر بزيارة رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيرًا إلى أَنَّ واشنطن وضعت ضوابط شكلية على نتنياهو في ما يخص قطاع غزة، لكنها لم تفرض أَي قيود فعلية على التعامل مع إيران أَو لبنان، ما اعتبر بمثابة ضوء أخضر غير معلن.
وأَوضَحَ عبر مِنصّة "بالعربي" أَنَّ تصريحات ترامب التي وَصَفَ فيها وضع الحكومة اللبنانية بغير الجيد واتهامه حزب الله بالقيام بأعمال سيئة، حملت دلالات سياسية كبيرة على الرَّغم مِن بساطتها الظاهرية، خصوصًا وأَنَّهَا جاءت مع انتهاء المهلة التي كانت الإِدارة الأميركية قد حددتها في نهاية العام 2025 أَمامَ الدولة اللبنانية لمعالجة ملف سلاح حزب الله جنوب الليطاني.
وأَشَارَ عازار إلى أَنَّ انتهاء هذه المهلة دفع إسرائيل إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية، بحيث لم تعد الغارات محصورة بِجنوب الليطاني، بل امتدت بشكل مكثف إلى شماله، وصولًا إلى مناطق في البقاع الغربي، في رسالة مباشرة إلى الدولة اللبنانية بعد حصول نتنياهو على ضوء أخضر أَميركي للتحرك.
واعتَبَرَ أَنَّ نتنياهو يوظف هذا التصعيد أَيضًا في سياق أَزماته الداخلية، في ظل ملاحقته القضائية بقضايا فساد ورشوة، حيث يلجأ إِلى فتح جبهات عسكرية عِدَّة لتخفيف الضغط السياسي والقضائي عنه، لافِتًا إلى أَنَّ نتنياهو لا يرغب في الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إِطلاق النار في غزة، متذرعًا بِوُجُودِ جُثَّةِ أَسِيرٍ لدى "الجهاد الإِسلَامِيّ".
وقَالَ عازار إِنَّ نتنياهو سبق أَن خطط لتعطيل مسار التهدئة في غزة، بدليل انسحاب وزير الأَمن القومي ايتمار بن غفير من الحكومة فور إِعلان وقف إِطلاق النار، مُشِيرًا إلى أَنَّ الداخل الإِسرائيلي يطالب اليوم بضرب ما تسميه إسرائيل رأس الأَخطبوط، أَي إِيران، بعد استهداف اذرعها في غزة، لبنان، سوريا، العراق واليمن.
ولَفَت إلى أَنَّهُ عند مقتل الأَمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، لم تُسَلِّم إِيران الحزب مفاتيح الصواريخ الدقيقة أَو الباليستية، ما يؤكد، بحسب تعبيره، أَنَّ قرار استخدام هذا النوع من السلاح يبقى حصرًا بيد طهران وأَنَّ حزب الله لا يمتلك حرية التصرف الكامل بالقدرات الاستراتيجية التي تعتبرها إِيران جزءا مِن أَمنِهَا الإِقليمي وخطوطها الحمراء.
وقال عازار إِنَّ الاجتماعات المرتقبة، سواء اجتماع الحكومة أَو اجتماع لجنة "الميكانيزم"، لن تكون سهلة، في ما يتعلق بملف شمال الليطاني، في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية ومواقف حزب الله التي ترفض أَي نقاش حول تسليم السلاح، وتعتبره مساسًا بالمقاومة واتهاما بالعمالة.
وشَدَّدَ على أَنَّ رَئِيس الجمهورية جوزاف عون يبذل جُهدًا كَبِيرًا في هذا الملف، لكنه يدرك صعوبة التنفيذ، بدليل تأكيده أَنَّ القرار متخذ لكن التنفيذ مرتبط بالظروف، وهي عبارة تختصر حجم التعقيد القائم.
وأَكَّدَ عازار أَنَّ أَي وَقف حقيقي للغارات الاسرائيلية يبقى مرتبطًا بتسليم حزب الله سلاحه، وهو أَمرٌ مستبعد في المدى المنظور، كونه مرهونًا بقرارٍ إِيراني، إِذ لا تزال طهران تعتبر الحزب ورقة استراتيجية تستخدمها في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة حول الملف النووي.
وفي الخِتَام، أَشَارَ إلى أَنَّ الغموض الذي تعتمد عليه إِيران في ملفها النووي بعد الضربات السَّابِقَة يُقلِقُ إِسرائيل وواشنطن مَعًا، خُصوصًا في ظل تلويح ترامب ونتنياهو باحتمال توجيه ضربات جديدة، ما يبقي المنطقة أَمام مرحلة مفتوحة على مزيد من التصعيد.