عاد رئيس مجلس النواب نبيه بري من القاهرة، لتفتح زيارته باب التأويل السياسي على مصراعيه، رغم التأكيد الصادر عن أجوائه بأن الزيارة جاءت في إطار إجازة عائلية لا أكثر. غير أنّ توقيت العودة، والسياق الإقليمي بالغ الحساسية، سرعان ما دفعا بعض المراقبين والمحللين إلى ربط الزيارة بحراك سياسي هادئ يجري بعيدًا عن الأضواء، وتحديدًا بالمبادرة المصرية التي يُقال إنها "تُطبخ على نار هادئة" في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
اللافت أنّ الزيارة لم تبقَ محصورة بالإطار الشخصي، إذ لحق بالرئيس بري إلى القاهرة معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، ما عزّز فرضيات اللقاءات السياسية، وفتح المجال أمام تساؤلات حول ما إذا كانت القاهرة قد شكّلت محطة مشاورات غير معلنة، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
بحسب المعلومات، يتحرّك الرئيس بري انطلاقًا من قناعة راسخة بأنّ لبنان يقف على حافة مرحلة بالغة الخطورة. فهو يدرك، وفق مصادر مطلعة، أنّ التهديدات الإسرائيلية ليست في إطار الضغط الإعلامي أو السياسي فقط، بل تحمل جدية عالية، في وقت تغلي فيه المنطقة على وقع تحوّلات كبرى، أبرزها التطورات المتسارعة داخل إيران، وسقوط النظام في فنزويلا، بما يحمله ذلك من انعكاسات على توازنات الإقليم ومحاور النفوذ فيه.
من هذا المنطلق، يرى بري أنّ أي مغامرة أو انزلاق غير محسوب اليوم قد يكلّف لبنان أثمانًا باهظة، لا قدرة له على تحمّلها سياسيًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا. من هنا، يُنقل أنّ رئيس المجلس يتحرّك على أكثر من خط واتجاه، في محاولة لتجنيب البلاد ضربة كبيرة، عبر فتح قنوات تواصل إقليمية ودولية، ولو بصمت، في لحظة تتداخل فيها الملفات اللبنانية مع حسابات إقليمية أعقد.
ولهذه الأسباب أوفد بري معاونه السياسي قبل أسابيع إلى طهران، في مسعى واضح لإبعاد شبح التصعيد عن الساحة اللبنانية، ومحاولة نقل رسائل تحذير من خطورة المرحلة المقبلة. ومن المتوقع أن يزور النائب علي حسن خليل السعودية في حال ازداد منسوب التوتر، انطلاقًا من إدراك بري للثقل السعودي ودور المملكة المحوري عربيًا ودوليًا، وقدرتها على التأثير في مسارات التهدئة أو التصعيد.
وتتقاطع هذه التحرّكات مع المبادرة المصرية، التي سبق أن طُرحت بجدية في مراحل سابقة، والتي ترتكز، على مجموعة عناوين أساسية: سحب السلاح من جنوب الليطاني، ووضع آلية واضحة لكيفية احتواء السلاح في شمال الليطاني إلى حين حصره بيد الدولة، بالتوازي مع إطلاق مسار مفاوضات لبنانية – إسرائيلية تُعقد في القاهرة، بما يفتح نافذة سياسية – أمنية لخفض التوتر ومنع الانفجار.
وفي ظل التعقيدات الداخلية، واستمرار الضربات الإسرائيلية، واقتراب انطلاق المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني لحصر السلاح، والتي يُفترض أن تُبحث في جلسة مجلس الوزراء المقرّرة يوم الخميس، على أن تليها جلسة لجنة "الميكانيزم" يوم الجمعة، تبدو الأرضية مهيّأة لعودة المبادرة المصرية إلى الواجهة، ولو بصيغة معدّلة تراعي المستجدات الميدانية والسياسية.
من هنا، تبرز زيارة بري إلى القاهرة، سواء أكانت إجازة عائلية أم محطة سياسية، كحلقة في سلسلة تحرّكات أوسع، هدفها الأساسي تجنيب لبنان الأسوأ في مرحلة إقليمية شديدة التقلب.
ويبقى السؤال المطروح في الكواليس السياسية: هل تُشكّل هذه الزيارة مدخلًا فعليًا لإحياء المبادرة المصرية من جديد، أم أنّها مجرّد محاولة استباقية لكسب الوقت، بانتظار اتضاح صورة المنطقة ومساراتها المقبلة؟