يدخل لبنان أسبوعًا جديدًا على إيقاع تحوّلات إقليمية متسارعة، تحمل في طيّاتها إشارات مقلقة وتداعيات مفتوحة على الداخل اللبناني، في لحظة دقيقة يتقاطع فيها الضغط الخارجي مع الانقسام الداخلي، ويُعاد فيها طرح الأسئلة الكبرى حول السلاح، السيادة والاستحقاقات الدستورية المقبلة.
إقليميًا، لم يكن سقوط النظام في فنزويلا واقتياد الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته حدثًا معزولًا أو محصورًا بجغرافيا أميركا اللاتينية، بل شكّل رسالة سياسية وأمنية امتدّ صداها سريعًا إلى عواصم القرار، وفي مقدّمها طهران، التي تشهد منذ أسابيع توترًا داخليًا متصاعدًا، يتّسع يومًا بعد يوم على وقع أزمات اقتصادية وضغوط سياسية غير مسبوقة.
هذا المشهد الإقليمي يترافق مع تحذيرات أميركية – إسرائيلية متجدّدة لإيران وأذرعها في المنطقة، وفي مقدّمها حزب الله، في ظل مناخ تصعيدي عزّزته مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خلال القمة التي جمعته برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي، والتي فُهمت في أكثر من اتجاه، وقرئت في لبنان بوصفها إنذارًا سياسيًا – أمنيًا لا يمكن تجاهله.
في الداخل اللبناني، وعلى وقع الضربات الإسرائيلية المتواصلة جنوبًا، يُفترض أن يناقش مجلس الوزراء في جلسته المقررة الخميس 8 كانون الثاني ٢٠٢٦ تقرير الجيش اللبناني، لا سيما في ما يتصل بالمرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، والتي أعلن رئيس الحكومة نواف سلام انتهاءها، باستثناء بعض التلال التي لا تزال تحتلها إسرائيل.
وبحسب المعلومات، سيطّلع مجلس الوزراء على تفاصيل المرحلة الثانية من الخطة، وهي الأكثر حساسية، إذ تشمل المنطقة الممتدة من شمال الليطاني وصولًا إلى الأولي، ما يفتح الباب أمام نقاش سياسي – أمني واسع، في ظل انقسام حاد حول توقيت هذه الخطوة، حدودها وتداعياتها.
وتأتي مناقشة تقرير الجيش قبل يوم واحد فقط من اجتماع لجنة "الميكانيزم" المرتقب الجمعة ٩ من الحاليّ على المستوى العسكري، والذي يُفترض أن يبحث في التطورات الميدانية والأمنية، في ضوء المعطيات الإقليمية الجديدة، والرسائل التي حملتها قمة ترامب – نتنياهو، وما يمكن أن يترتب عليها في الساحة اللبنانية.
غير أنّ هذه المرحلة الحساسة لا تمرّ من دون مخاوف جدّية. فحزب الله لا يزال يُظهر تعنّتًا واضحًا ويصرّ على رفض تسليم أي قطعة سلاح شمال الليطاني قبل انسحاب إسرائيل الكامل، تسليم الأسرى، وقف الاعتداءات والبدء بعملية إعادة الإعمار. في المقابل، تبدي الدولة اللبنانية والحكومة تحفّظًا شديدًا حيال ربط ملف الإعمار بالمسار الأمني، خشية أن تتحوّل هذه العناوين إلى ذرائع إضافية تستخدمها إسرائيل لإبقاء لبنان ساحة صراع مفتوحة ومعلّقة على حافة الانفجار.
ويزداد القلق مع تصاعد المخاوف من احتمال لجوء الحزب إلى مواجهات داخلية، قد تطال المؤسسة العسكرية نفسها، خصوصًا في ظل تصريحات سابقة اعتبرت أن أي مسّ بالسلاح شمال الليطاني يُعدّ "حربًا أهلية"، ما يرفع منسوب التوتر ويضع البلاد أمام سيناريوهات شديدة الخطورة.
خارجيًا، لا تبدو التهديدات الإسرائيلية والأميركية في وارد التراجع، ما يضع لبنان أمام أشهر حاسمة قد تعيد رسم المشهدين السياسي والأمني. ومع تصاعد الضغوط، يبرز هاجس إضافي يتمثّل في مصير الانتخابات النيابية المقررة في شهر أيار، وسط مخاوف من أن تؤدي التطورات الأمنية إلى تعطيل هذا الاستحقاق وإعادة خلط الأوراق من جديد، في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الفراغ والمغامرات.
في المحصّلة، يقف لبنان عند مفترق بالغ الخطورة: بين ضغوط الخارج، تصلّب الداخل وخيارات محدودة، فيما الزمن السياسي والأمني يضيق والرهان على إدارة الأزمة يزداد كلفةً يومًا بعد يوم.