في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يطرح السؤال نفسه بقوة: ماذا ينتظر لبنان في العام 2026؟ فمع بدء المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني الهادفة إلى حصر سلاح حزب الله شمال نهر الليطاني، يدخل البلد مرحلة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الاستحقاقات الداخلية مع تغييرات إقليمية كبرى، أبرزها انكسار الأذرع الإيرانية في أكثر من ساحة، سقوط نظام بشار الأسد وما رافق ذلك من تبدل عميق في موازين القوى.
وبين ضغط الوقت، التحديات الأمنية والرهانات الدولية، يبدو لبنان مقبلًا على عام مفصلي ستتحدد فيه ملامح دولته، دوره وموقعه في الإقليم.
في هذا السياق، أَشَارَ الصحافي بشارة شربل إلى أَنَّ مطلع السنة الجديدة يشهد استحقاقًا بالغ الأهمية يتمثل في التقرير الذي سيقدمه قائد الجيش اللبناني إلى مجلس الوزراء، يليه اجتماع لجنة "الميكانيزم"، معتبرًا أن جوهر الاستحقاق الحقيقي يكمن في ما إذا كانت الدولة اللبنانية والجيش اللبناني سيتجهان فعلِيًّا إلى حصر السلاح شمال نهر الليطاني أَم أَنَّ التردد سيبقى سيد الموقف.
وأوضح عبر مِنصَة "بالعربي" أن الاتصالات المُستَمِرَّة لتمديد المهلة الممنوحة للجيش تأتي بعدما كان يفترض إنجاز حصر السلاح مع نهاية العام الماضي، إلا أن الواقع فرض تمديد هذا الاستحقاق، مُشيرًا إلى أَنَّ الضغط القائم حالِيًّا يتركز على البدء العملي في منطقة شمال الليطاني، في وقت يتمسك فيه الموقف اللبناني الرسمي وكذلك موقف "الميكانيزم" بمبدأ الخطوة مقابل خطوة، أي انسحاب إسرائيلي مقابل أي إجراء لبناني.
ولَفَتَ شربل إلى أَنَّ إسرائيل لا تبدي حتى الآن حماسة لهذا المبدأ، إذ تتصرف من موقع الطرف الأقوى القادر على فرض شروطه.
وكشف عن مساع تقودها أطراف دولية، في طليعتها فرنسا، تقضي بانسحاب إسرائيل من ثلثي التلال الـ 5 أو الـ 7 المحتلة، مقابل شروع الجيش اللبناني في نزع السلاح شمال الليطاني، معتبرًا أن هذا الطرح يقوم على مقايضة غير متوازنة.
ورأى شربل أن الاحتمال الأكبر يبقى استمرار وتيرة الضربات الإسرائيلية أو توسعها، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، إذ إن أي حرب واسعة محتملة ستكون من طرف واحد هو إسرائيل، في ظل غياب قدرة فعلية لدى الأطراف الأخرى على المواجهة.
وقَالَ إِنَّ عدم تسجيل أي رد فعلي بعد اغتيال مئات من عناصر "حزب الله" منذ أواخر تشرين الثاني 2024 يؤكد هذا الواقع، مُعتَبِرًا أَنَّ توسع الضربات الإسرائيلية يبقى مرجحًا ما لم تتخذ السلطة اللبنانية قرارًا حاسِمًا بتنفيذ القرارين 1559 و1701 بصورة أكثر إقدامًا، بما يمنع الانطباع السائد بأن الدولة تترك زمام المبادرة لإسرائيل وتتخلى عن مسؤولياتها السيادية.
وتوقف شربل عند خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، معتبرًا أنه رفع سقف المواقف إلى مستوى غير مسبوق، لا سيما عبر تخوين كل من يدعو إلى حصر السلاح، وهي رسالة موجهة إلى رئاسة الجمهورية والحكومة ورئيس مجلس النواب، الذي كان أعلن صراحة تأييده لهذا الخيار. ولَفَت إلى أَنَّ هذا التشدد يضعف فرص نجاح أي خطة داخلية أو دولية، ويعكس تمسكًا متقدمًا بالموقف، بمعزل عن موازين القوى الفعلية.
وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، قال إِنَّ تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي انتقد فيها الحكومة اللبنانية واعتبر أن "حزب الله" يتصرف بشكل سيئ جاءت بصيغة غامضة ومدروسة، لكنها تحمل في طياتها ما يشبه ضوءًا أخضر لإسرائيل لمواصلة عملياتها أو توسيعها، مُشيرًا إل أَنَّ هذا الغموض يشكل، في الوقت نفسه، مظلة سياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، في مقابل إتاحة فرصة محدودة لمسعى يقوده السفير الأميركي في لبنان، يقوم على مبدأ الخطوة مقابل خطوة، محذرًا من أن الوقت بات ضيقًا جِدًّا أمام لبنان ولا يسمح بالمناورة.
وأَكَّدَ شربل أَنَّ الرهان على الورقة الإيرانية بات ساقطًا، في ظل تكسر الأذرع الإيرانية في المنطقة، من غزة إلى لبنان وسوريا، سقوط النظام السوري وتعرض إيران نفسها لضربات مباشرة وانتهاك أجوائها، لافِتًا إلى أَنَّ إيران تواجه أزمة داخلية عميقة، مع تدهور اقتصادي حاد، انهيار العملة، اتساع رقعة الفقر واستمرار احتجاجات وإن كانت محدودة لكنها ذات دلالات كبيرة بسبب توقيتها والظروف الإقليمية المحيطة بها.
وختم: هذه المعطيات تفتح الباب أمام مرحلة مفصلية قد يكون العام 2026 فيها عام نهاية ولاية الفقيه إذا استمرت الوقائع الحالية، معتبرًا أن سقوط الرمزية، لا سيما في ملف الحجاب، شكل ضربة قاسية لهيبة النظام، ومذكِّرًا بأن مصير الأنظمة الاستبدادية غالبًا ما يكون الانهيار، خصوصًا في بلد يمتلك مجتمعًا حيًا، تاريخًا وثقافة لا يمكن اختزالها بمؤسسات القمع.

