أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدراج الملف اللبناني في صلب النقاش الإقليمي، من خلال المواقف التي أطلقها في خلال مؤتمره الصحافي عقب لقائه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حيث وجه انتقادًا مُبَاشَرًا إلى الحكومة اللبنانية، متوقِّفًا عند سلوك حزب الله الذي وصفه بأنه يتصرف بشكل سيء.
هذا الكلام، وإن جاء مقتضبًا، حمل دلالات سياسية لافتة بالنسبة إلى لبنان، سواء لجهة استمرار الضغوط الأميركية على الدولة اللبنانية، أو في ما يتعلق بتثبيت مقاربة واشنطن لملف سلاح حزب الله ودوره، في مرحلة تشهد تحولات إقليمية دقيقة وتقاطعًا حساسًا بين المسارات اللبنانية والإقليمية.
في هذا السياق، رأى الصحافي جورج شاهين أن المواقف التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب القمة الأميركية - الإسرائيلية تحمل دلالات مباشرة على الواقع اللبناني، وتحديدًا في ما يتعلق بنظرة واشنطن إلى دور الدولة اللبنانية وملف سلاح "حزب الله"، معتبرًا أن الانتقادات التي وجهها ترامب إلى الحكومة اللبنانية لا يمكن عزلها عن سياق أوسع من الضغوط السياسية المتواصلة.
وأَكَّدَ عبر مِنصّة "بالعربي" أَنَّ الولايات المتحدة لا تقلل من أهمية الجيش اللبناني ولا من قدراته، بل على العكس، فهي تدرك بدقة حدود إمكاناته وصعوبة مقاربة ملف السلاح خارج إطار الدولة. وقَالَ إِنَّ الأميركيين يعرفون أكثر من غيرهم طبيعة التحديات التي يفرضها سلاح حزب الله، إلا أنهم في الوقت نفسه يدركون أن الجزء الأكبر من القدرات العسكرية للحزب تعرض لضربات قاسية في خلال المرحلة الماضية.
وأشار شاهين إلى أن الحديث المتكرر عن ترسانة عسكرية خطيرة لا تَزَال قائمة في لبنان قد ينطوي على قدر كبير من التهويل، لافِتًا إلى أن تقديرات غير رسمية تفيد بأن حزب الله خسر ما بين 80 و90% من قدراته العسكرية، لا سيما تلك التي تشكل تهديدًا مباشرًا لإسرائيل.
وطرح تساؤلات حول الجهة القادرة على تأكيد أو نفي ما تبقى من هذا السلاح، في ظل غياب أي مرجع عسكري أو أمني يملك صورة كاملة ودقيقة عن الواقع الحالي.
وتوقف شاهين عند مسألة الصواريخ الدقيقة والأسلحة النوعية، مُشيرًا إلى أَنَّ جزءُا أَسَاسِيًّا منها كان موجودًا على الأراضي السورية. ولفت إلى أن السؤال المطروح اليوم يتمثل في ما إذا كان الحزب قد تمكن من إدخال هذه الأسلحة إلى لبنان قبل التطورات الأخيرة، مُؤكِّدًا أَنَّ هذا السؤال طرح على مراجع عسكرية ودبلوماسية من دون الحصول على إجابات حاسمة، ما يعزز الشكوك حول حجم المخزون الفعلي المتبقي.
وفي الإطار نفسه، رَأَى أَنَّ التهويل المستمر بملف السلاح قد يخدم أهدافًا سياسية، سواء للضغط على لبنان أو لتبرير مواقف معينة على المستوى الإقليمي، مُحَذِّرًا مِنَ الوُقُوعِ في فَخِّ تَضخيمِ أَخطَارٍ غير مثبتة في ظل غياب معطيات دقيقة.
وعلى المستوى الإقليمي، دعا شاهين إلى التريث في الحكم على نتائج القمة الأميركية - الإسرائيلية، مُعتَبِرًا أَنَّ العبارات القليلة التي صدرت عنها غير كافية لاستخلاص نتائج نهائية. وقال إن توصيف القمة، سواء بالإيجابي أو السلبي، يبقى سابقًا لأوانه، خُصوصًا وأَنَّ مواقف ترامب قبل القمة تختلف عن تلك التي أعقبتها، ما يستوجب وَقتًا إِضَافِيًّا لفهم ما انتهت إليه فِعلِيًّا.
وأوضح أن هذه القمة قد تشكل خريطة طريق للعام 2026، إِلَّا أَنَّ ما تَقَرَّرَ فيها يحتاج إلى وقت للتثبت من آليات تطبيقه، مُشيرًا إلى أَنَّ موقف ترامب من حركة حماس، لا سيما مطالبته بتسليم سلاحها، ليس جَديدًا، إذ سبق أن طرحه أكثر من مرة، كما أنه منح الحركة مُهَلًا مُتَتَالِيَة لِتَسلِيمِ الأَسرَى من دون الذهاب إلى خطوات حاسمة، على الرَّغمِ مِنَ الدَّمَارِ الذي لَحِقَ بِقِطَاعِ غَزَّة.
وقَال شاهين إِنَّ ترامب يسعى اليوم إلى استكمال تطبيق خطة غزة، مع التريث في الانتقال إلى مراحلها التالية، آخذًا في الاعتبار ضرورة الموازنة بين مطالب إسرائيل ومواقف عدد من الدول الإسلامية والخليجية التي باركت مبادرته، على الرَغمِ مِن تَعَارُضَهَا الواضح مَعَ خُطَطِ رَئِيسِ الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
أما في ما يتعلق بإيران، فاعتبر أَنَّ النفوذ الإيراني في المنطقة شهد تراجُعًا مَلحُوظًا، مُؤَكِّدًا أَنَّ الحضور الإيراني لم يَعُد فَاعِلًا في سوريا أو غزة أو اليمن، وربما اقتصر على هامش محدود في لبنان.
وتوقف عند التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا، مشيرا إلى أن المسؤولين الإيرانيين لم يعودوا قادرين على استخدام الأجواء السورية لعبورهم إلى لبنان.
وفي شأن الاحتجاجات داخل إيران، أبدى شاهين حذرًا في مقاربتها، معترفًا بوجود أزمات داخلية متراكمة، لكنه حذر من المبالغة في التعويل على هذه التحركات لإحداث تغيير جذري في النظام، معتبرًا أنها مهمة ودالة، لكنها غير كافية حتى الآن لإحداث تحول سياسي كبير.